حكاية دور الدقيق * « ودور عمر المختار في القضاء عليه »

حكاية دور الدقيق * « ودور عمر المختار في القضاء عليه »

02:36:58 22/12/2007

بقلم : سعيد العريبي

Saeed285@yahoo.com

المنارة – 22/12/2007

 

تكون دور الدقيق أو جيش الدقيق كما يسميه البعض .. بموافقة الحكومة الإيطالية التي أغدقت عليه من السلاح والمال والدقيق ما يزيد عن حاجته وحاجة منتسبيه ..  حتى صاروا في بحبوحة من العيش .. في الوقت الذي كان فيه عمر المختار ومن معه من المجاهدين يعانون الجوع والفقر وقلة ذات اليد .. ولا يملكون من ضرورات الحياة إلا القليل مما لا يذهب جوعا أو يسد رمقا أو يدفع عنهم غائلة العوز والفاقة .

وبدأ التخطيط لذلك الجيش .. حينما أرسل عمر المختار الحسن الرضا إلى بنغازي لينوب عنه في توقيع بنود الاتفاق الذي أبرمه مع ' سيشلياني ' والوالي ' بادوليو ' .. حيث استقبله الإيطاليون بحفاوة بالغة وبذلوا له من الوعود الكاذبة .. ما جعله يوافق على التخلي عن الشروط التي جاء لتوقيعها .. وقبل بدلا منها شروطا جديدة لا تتضمن من شروط عمر المختار شرطا واحدا .

وكان عمر المختار قد رفض هذه الشروط المشفوعة بالوعود المغرية التي قطعتها الحكومة له كالنظر إليه بعين الاعتبار والمحافظة على هيبته ومركزه الاجتماعي وأن تدفع له مرتبا ضخما أكبر مما تدفعه الحكومة الإيطالية لمن يحتلون عندها المكانة الأولى .. وأن تكون له كامل الحرية ويذهب إلى حيث يشاء .. رفض المختار كل ذلك وقال لهم : ' إنني ما قبلت هذا الاجتماع لأستمع إلى هذه المهازل .. ولست أحاربكم من اجل الوصول إلى هذه الترهات .. إن موقف المجاهدين يغاير ما تعتقده إيطاليا من أن المسألة تقبل الجدل أو المساومات .. إنها فوق  ذلك ، إنها مسألة حقوق أمة كاملة ، ضحت بأكثر من نصف عددها وفقدت الكثير من موطنها ، وديست كرامتها وجرحت في  دينها .. إن البحث يجب أن يكون حول قضيتنا الوطنية كاملة غير منقوصة ، وإلا فإنني سأضطر إلى إنهاء الاجتماع الذي ما كنت أتصور أنه سيكون هكذا ' 1

انفض ذلك الاجتماع دون طائل يذكر .. وبذلت الحكومة الإيطالية مساعيها مجددا من أجل عقد اجتماع آخر وآخر .. في محاولة منها لإخضاع عمر المختار ومن معه .. وبالفعل عقد الاجتماع الثاني بموقع ' قندوله '  والثالث بـ ' سيدي رحومة ' وعمر المختار لا يزال على موقفه لا يلين ولا يستسلم .. وقد وجه إلى ممثل إيطاليا المارشال ' بادليو '  في هذا الاجتماع الأخير كلمات مرة قاسية ومما قاله له : ' أثبتت حكومتكم أنها لم تكن حسنة النية في أي عمل أقدمت عليه نحو أهل البلاد ' 2    ..  مما اضطر المارشال إلى تلمس الأعذار عن نفسه حينا وعن حكومته حينا آخر .

وعقد الاجتماع الرابع بـ ' سيدي رويفع ' بالبيضاء.. ولم يختلف عن الاجتماعات السابقة سوى في إصرار مندوب إيطاليا على أن يكون الاجتماع الختامي بين الطرفين في بنغازي .. وأصر الوفد الإيطالي على أن يحضر عمر المختار بنفسه ذلك الاجتماع .. لكن عمر المختار الذي لم يكن مقتنعا بجدواه .. وأعتبره محاولة من إيطاليا لكسب الوقت ليس إلا .. رفض فكرة ذهابه إلى بنغازي وكلف الحسن الرضا للذهاب بدلا منه .

وهناك في بنغازي استقبل الحسن الصغير السن بحفاوة بالغة .. وكان كما قال عنه محمد الطيب الأشهب : ' قد أحيط بعيون تترقبه وآذان تترصده وحرس يتعقبه ومظاهر كذابة تغمره '   3

وجعلوا له مرتبا شهريا يقدر بـ ' خمسين ' ألف فرنك .. وسيارة كهدية رمزية نظير توقيع ما يريدون 4 .. في حين أن عمر المختار كان قد رفض قبول مبلغ ' مليون ' فرنك مقابل قبـول شروطهم المجحفة .. مفضـلا البقاء مع إخوانـه المجاهدين فقيرا معدما ولكنـه عزيز كريـم .

وأسرف الحسن في حسن الظن بأعدائه .. وخدع بما تقوله أفواههم دون قلوبهم .. وبعد خمسة عشر يوما عاد من بنغازي يحمل شروطا أخرى - غير تلك التي وضعها المجاهدون ووافق عليها عمر المختار -  شروطا جديدة وأماني ووعودا مغلفة بسياسة الخداع والتفرقة .

وكما كان متوقعا .. رفض عمر المختار تلك الشروط ودعا الحسن إلى نقضها والتحلل منها قائلا له : غروك يا بني بمتاع الدنيا ورضيت بهذه الشروط المزرية .

فقال الحسن : لقد اتفقت مع الحكومة على هذه الشروط ولا يمكنني أن أنقضها .

ولما رفض الحسن التراجع عن ذلك .. جمع عمر المختار المجاهدين ومشائخ القبائل وقرأ عليهم الشروط التي جاء بها الحسن .. وقال لهم : إنني لا أرضى بهذه الشروط .. وأفضل أن أموت جوعا وعطشا ولا ألقي بنفسي وإخواني بين أيدي الإيطاليين يتصرفون فينا كيف يشاءون .

فقالوا  ونحن أيضا لا نوافق على شرط واحد منها .

فقال الحسن : لا بد من قبولها .

فقال له الشيخ الشريف القاسم العبيدي : إنك مجرد مخلوق ولست خالقا .. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وبذل عمر المختار جهدا كبيرا من أجل إرجاع الحسن إلى رشده وصرفه عن هذا الغي الذي لا يليق بالكرامة الوطنية .. لكن الحسن قام غاضبا وهو يقول : من يوافقني على هذه الشروط  .. ويريد أن يتبعني فليفعل .

فقام معه ما يقارب ثلاثمائة رجل ونزل بهم عند بئر بـ ' غوط الجبل ' بالقرب من مراوة .. وبنى خيامه وأقام معسكره هناك .. على مسافة ساعتين من النقطة الإيطالية .. وكلفت الحكومة الإيطالية المدعو ' ميلا كري '  ممثلا لها بذلك الدور .. ومن ذلك الوقت انقطعت العلاقة بين عمر المختار والحسن الرضا 5

وفي هذا يقول غراسياني : ' انعزلت القوات التي تحت قيادة الحسن عن معسكر المجاهدين العام .. وقام الحسن باتصالاته ووافق على شروط الحكومة الإيطالية وسلم وأصبحت قواته تابعة للحكومة الإيطالية فوضعوها على نظام الدوريات وبدأت الحكومة تدفع مرتباتهم ' 6

خرج الحسن عن سلطة المختار طائعا مختارا .. وشرع يدعو المجاهدين ، إلى تركه جهارا نهـارا .. وهادن الإيطاليين طمعا فيما عندهم من الأموال والأرزاق والدقيق .. فأغدقوا عليه منها وبكثرة .. حتى صار ومن معه من المنشقين في رغد من العيش .. نكاية في عمر المختار وبقية المجاهدين الذين  لا يجدون القوت الضروري في كثير من الأحيان . 

لكن هذا الرخاء لم يدم طويلا .. فقد دبت الفوضى بين أفراد هذا الدور المشبوه .. بعد أقل من ستة أشهر على ذلك .. بتأثير عمر المختار وأتباعه من المجاهدين الذين كانوا يدعونهم إلى العودة إلى ساحة الجهاد والتمرد على سلطة الحسن ونفوذ الطليان .

ونتيجة لكل ذلك تولدت خلافات وحساسيات بين المسلحين أدت في النهاية إلى انشقاق مجموعة من  المسلحين من عائلة ( عريف ) .. الأمر الذي أدى  إلى نقل ' دور الدقيق' بأمر من السلطات الإيطالية .. إلى مقره الجديد على مشارف مراوة  بدل غوط الجبل .. وفي الوقت ذاته نبه نائب الوالي إلى أن الحالة في الدور توحي بالقلق .. وحذر الحسن بأن الحكومة الإيطالية قد تضطر لاتخاذ الإجراءات الصارمة ، لوضع الأمور في نصابها ، وجعل النظام يسود بين المسلحيــن .

وبالفعل لم تلبث السلطات الإيطالية أن أصدرت أوامرها بحل 'دور الدقيق' وسحب السلاح من الحسن وأتباعه ، الذين عارضوا تلك الأوامر بشدة .. مما اضطرها إلى استخدام القوة لتنفيذها .. لكن الحسن الذي لم يعجبه هذا التصرف القاسي من قبل الإيطاليين .. استقل سيارته وذهب إلى ولاة الأمر شاكيا .. فلقيه القائد الإيطالي .. الذي أنزله من السيارة وأركبه بغلا وبعث به إلى المركز .. ليرسله المركز بعد ذلك إلى بنغازي حافي القدمين محاطا بالجنود .. حيث سجن هناك لبعض الوقت .. ونفي من ثم إلى روما .

قتل في تلك الحادثة من أتباع الحسن من قتل ، وسجن منهم من سجن .. وتقدر بعض المصادر عدد القتلى في صفوفهم بأكثر من مائة مسلح 7  .. وقد تمكن نحو مائتي مسلح منهم بقيادة عمر خليفة بوقليدان البرعصي من الفرار إلى دور عمر المختار المتواجد في ذلك الوقت بغابة كثيفة بوادي 'محجة'.

وعلى أثر ذلك هوجم دور عمر المختار برا وجوا .. وألقت الطائرات بقنابلها على المجاهدين بكثافة .. وسقط منهم الكثير بين شهيد وجريح .. وكان عمر المختار نفسه من بين الجرحى نتيجة تعرضه لأحدى الشظايا .. وقد تمكن المجاهدون من إسقاط إحدى الطائرات وكانت تحمل هذه العلامة ( C. C. M. ) 8

هـذا وقد سرد الطاهر أحمد الزاوي هذه الحادثة بشئ من التفصيل في كتابه عمر المختار .. ولم يغفل عن ذكر جزئياتها البسيطة جدا .. لكن الصواب كان قد جانبه في قوله : ' وقد استمر الحسن في انشقاقه حوالي ستة أشهر ... ورسل إيطاليا تغدوا عليه وتروح على مرأى ومسمع من السيد عمر المختار الذي لم يمد إليه يده بسوء ' 9  

نعم .. لم تمتد يد عمر المختار إلى إخوانه الليبيين بسوء .. لأنه كان يدرك جيدا أن ذلك هو ما يخطط له المستعمرون .. لقد كان أكبر من ذلك وكان حكيما وحليما في تصرفه تجاه الحسن وأتباعه .. تصرفه ذاك الذي أعاد في نهاية المطاف العدد الأكبر من المنشقين إلى ساحة الجهاد من جديد .. وكيف نريد له أن يتصرف بخلاف ذلك .. في الوقت الذي كان يوصي فيه المجاهدين بقوله : ' ليعلم كل مجاهد أن غرض الحكومة الإيطالية هو بث الفتنة والدسائس بيننا لتمزيق شملنا وتفكيك اتحادنا .. لتتم له الغلبة علينا واغتصاب كل حق مشروع لنا ' 10

ولــم يكتف الطاهر الزاوي بتعريضه المبطن بعمر المختار ، كالذي مر بنا ، بل قال أيضا :     ' وإن الإنسان ليدهش حينما ينظر إلى وقوف السيد عمر المختار مكتوف الأيدي أمام هذا الإنسان الذي يهدم بمعوله في صفوف المسلمين ' 11

وحقيقة الأمر أن عمر المختار لم يقف مكتوف اليدين .. ولم يرض أن يكون مع من يهدم بمعوله في صفوف المسلمين .. وقد رأينا وبوضوح تام موقفه من كل ما حدث .

وإذا كان هذا ما يقصه لنا الطاهر الزاوي في كتابه عمر المختار..عن هذه الحادثة .. فما الذي يرويه لنا عدوه الأول  الجنرال ' غراسياني ' عن الحادثة نفسها : ' رفض عمر المختار رفضا باتا أن يحذو حذو الحسن بل تمسك بألا يخضع للسلطات الإيطالية وبدأ في جباية الزكاة ليواجه المصروفات العامة لقواته خوفا من أن تتسرب إلى دوريات الحسن التي تتمتع بكل الإمكانيات الحكومية '12 .. وليس هذا وحسب ، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك ، في إنصاف عمر المختار فيرجع سبب الفوضى التي دبت بدور الحسن إلى تأثير عمر المختار والمجاهدين من أتباعه .. وفي ذلك يقول : ' بدأت الفوضى تدب في هذا الدور من أثر تغلغل المجاهدين بين صفوف أتباع الحسن باثين دعايتهم ضد الحسن وتصرفاته المزرية وسمسرته برؤسائهم وإبعاده لهم عن إخوانهم المجاهدين .. وبدأت سلطة الحسن في التضاؤل من جراء تأثيرات عمر المختار على النفوس ودعوته للحسن لكي يقلع عن تبعيته للحكومة الإيطالية ويرجع إلى الجهاد ' 13

وانتهت حكاية جيش الدقيق إلى ما انتهت إليه .. بعدما غررت إيطاليا بالحسن الذي كان من أبطال الجهاد على صغر سنه .. فأبعد عن ساحة الجهاد منفيا إلى روما .. وقد كانت ثقته الزائدة عن الحد بمن يحيطون به من رجال السوء وسماسرة الدنيا ، واعتماده المطلق على وعود المستعمرين وحسن نواياه تجاههم .. سببا في كل ذلك .

وبقي عمر المختار في ساحة الجهاد يصاول ويجاول الغزاة رغم كبر سنه .. حتى أن البعض أشفق عليه فحاول إقناعه بالذهاب إلى مصر طلبا للراحة .. فقال له :

' لا أرى للراحة قيمة ما دمت أبذلها في سبيل الجهاد وابتغاء مرضاة الله الكريم ' 14

نعم انتهت حكاية دور الدقيق .. وشهد العدو للمختار ، قبل الصديق .

هوامش :

ـــــــــــــــــ

1.     عمر المختار ... محمد الطيب الأشهب .......... ص :  106 .

2.     المرجع السابق...................................... ص : 108 .

3.     المرجع السابق...................................... ص : 116 .

4.     عمر المختار / الطاهر أحمد الزاوي .............. ص : 133 .

5.     المرجع السابق ..................................... ص : 132 .

6.     برقة الهادئة / الجنرال رودلفو غراسياني ........ ص : 57  .

7.     عمر المختار / الطاهر أحمد الزاوي .............. ص : 134 .

8.     المرجع السابق .....................................ص :  134 .

9.     المرجع السابق .................................... ص :  134 .

10. المرجع السابق .................................... ص :  135 .

11. المرجع السابق ..................................... ص : 135 .

12. برقة الهادئة / الجنرال رود لفو غراسياني ........ ص : 57 .

13. المرجع السابق ....................................... ص : 62 .

14. عمر المختار / محمد الطيب الأشهب .............. ص : 121.

 

*  سبق نشرها .

 

طالع مقالات اخرى للكاتب


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
شكرا سعيد العريبى
ليبى حر
ليبيا
2007/12/23
2
باحث جاد وممتع
عبدالقادر الدرسي ..
بنغازي النهار
2007/12/23
3
مزيدا من هذه المواضيع
سعيد الفاخري
سويسرا
2007/12/24
4
لا فض فوك
صالح
إجدابيا
2007/12/24
5
شكرا للكاتب
سالم أحمد
طرايلس
2007/12/24

استطلاع الرأي