هذا الكتاب : أبـطـال ومـلاحـم( 4)
06:54:25 10/6/2008

هذا الكتاب : أبـطـال ومـلاحـم 4
حوار مع الأستاذ الباحث / فرج مصطفى لاغا *
سعيد العريبي
المنارة –11-6-2008
أشرنا في الحلقة الثانية من 'هذا الكتاب' إلى تشبيه الأستاذ / لاغا .. للباحث في تاريخ الجهاد ، بالذي يتجول في حديقة غناء متنوعة الفاكهة ، كلما ذاق واحدة نسى ما قبلها من لذة طعمها وحلاوته .. والقارئ لكتابه هذا يدرك تماما صدق هذا التشبيه الدقيق ، فها هو - من خلال هذا الحوار الممتع الشائق - يتجول بنا ، في حدائق الجهاد ، متنقلا من شجرة إلى أخرى .. ومن مجاهد إلى آخر .. ليقدم لنا في نهاية المطاف ، قطوفا متعددة الأشكال والأنواع ، وثمارا مختلف ألوانه وطعمه .. لكنه واحد في أصله ومنبته الحسن ، الذي ينتسب إليه .
يحدثك تارة عن المجاهد نجيب الحوراني ، الأردني الأصل ، وأخرى عن المجاهد عبد السلام دجاجات من شرق بلادنا ، وينتقل بك مباشرة وبلا مقدمات ليحدثك عن المجاهد سعدون السويحلي من غربها ، وبلا مقدمات أيضا ، قد يفاجئك بالحديث عن قبيلة الجوزاي مثلا .. فيأسرك ويشدك ، فتصغي جيدا لما يقول :
قبيلة الجوازي :
هي إحدى القبائل الليبية ، التي استوطنت مصر ، مثلها مثل أولاد علي والفوايد وغيرهما من القبائل التي هاجرت ، نتيجة المجاعات أو الحروب .
والجوازي والعواقير ، إخوة في الأصل .. وما حدث بينها من حروب ، كانت نتيجة لتلك الفتن التي أثارها الأتراك ، بين قبائل المنطقة ، في شرق البلاد وغربها .
ويوافق أستاذنا رأي المؤرخ / محمد مصطفى بازامه ، فيرى أن أغلب الحروب القبليــة ، التي أدت إلى هجرة بعض القبائل الليبية ، كانت نتيجة للفتـن و الدسائس التي حاكها الحكام الأتراك ، لإضعافها والسيطرة عليها ، كي تخضع لسلطانهم ، وتدفع لهم الضرائب دونما اعتراض .
وقد سبق للعواقير أن رفضوا دعم الحملة التأديبية ، التي جردها الحاكم العثماني / خليل باشا ، ضد قبيلة المغاربة ، وذلك عندما طلب منهم المشاركة في تلك الحملة بـمأتي جمل ، وما يماثلها من قرب الماء .
ويرى الأستاذ / لاغا .. أن سبب مأساة قبيلة الجوازي التي أدت إلى هجرتها للقطر المصري .. يكمن في استقبال الجوازي ، لــ أحمد ( محمد ) باي ، الذي كان متزوجاً من امرأة جازوية .. حيث أكرموا وفادته ، تمشيا مع الأعراف والتقاليد العربية المتبعة .. الأمر الذي أغضب الباشا ، فجرد حملة تأديبية ، بقيادة إبنــه .. أدت في نهاية الأمر ، لهجرتهم و نزوحهم إلى مصر .
ويضيف الأستاذ / لاغا : إن لديه وثيقة تاريخية لشجرة قبيلة الجوازي .. ولديه أيضا وثيقة أخرى ، كتبها الشيخ محمد الشنقيطي بخط يده ، وذكر فيها ( 45 ) اسما من شيوخ قبيلة الجوازي ، ممن دعاهم الحاكم التركي إلى قصر الحكومة ، بحجة التشاور وعقد صلح فيما بينهم ، لكنه كان يضمر في نفسه خلاف ذلك .. فأعدمهم جميعا .
سعدون السويحلي :
ينتقل الأستاذ لاغا - بعد ذلك - للحديث عن المجاهد سعدون السويحلى .. فيقول : تدرب سعدون في الكلية التي أنشأها نوري باشا في مصراتة .. وكان من أوائل من تخرج منها وتعلم الفنون القتالية الممنهجة .. ومن هنا فهو بخلاف أخيه رمضان الذي كان مقاتلاً بدوياً وقائداً بالفطرة .
ولم يثبت أن سعدون التقى بالإيطاليين ، إلا في ميادين القتال أو أسيرا في ساحة المعركة .
أسر المجاهد سعدون ، سنة 1915، وأفرج عنه عام 1917 .. ليتولى القيادة بعد مقتل أخيه رمضان في فتنة منطقة بني وليد ، مع قبيلة ورفلة وزعيمها عبد النبي بلخير، وتشير الوثائق إلى أنه كان آنذاك ، في العشرين من عمره .
اشترك سعدون في معارك السلحيبة والنقازة والمرقب وفي حيشان المقاصبة وفي معركة يوم السبت التي استشهد فيها البطل عبد العاطي الجرم الحسوني ، دفاعاً عن قصر حمد .
استشهد سعدون – يرحمه الله - سنة : 1923 ، في معركة المشرك ، التي قال عنها ' غراتسياني ' :
' كنا في قرابة ( 12.000 ) مقاتل ، منهم ( 3000 ) من المجندين الليبيين ، يقودهم يوسف خربيش ، وكان سعدون في معية ( 4000 ) مجاهد ، منهم حوالي ( 800 ) بدون سلاح ومع ذلك بدأ سعدون الهجوم ' .
وهذه شهادة لسعدون ، من عدوه ، غير قابلة للطعن أو التشكيك .
محمد سوف المحمودي :
المحمودي مجاهد كبير من قبيلة المحاميد ، المعروفة بسطوتها ونفوذها وأنفتها وشدة بأسها .. يسمى المنتسبون لهذه القبيلة بـ 'سعادي الغرب' .
ومن المعروف عن المحاميد ، أنهم لا يطلبون قوتهم من أحد .. وإذا دعو إلى وليمة لا يطلبون الأكل ، لأنهم يعدون ذلك نوعا من التصغير .. ذلك أن المحمودي بطبيعته ، ومكانته في المنطقة ميسور الحال ، وفي عني وبحبوحة من العيش .. تمنعانه من أن يجوع ، أو يمد يده لغيره في ذل وصغار .
جده البطل المعروف غومة المحمودي ، الذي قاد الثورة ضد الحكام الأتراك ، وسجل لنا التاريخ ملحمته البطولية ، التي امتدت من ليبيا إلى الجنوب التونسي .. تلك الملحمة ، التي لا يزال صداها يتردد إلى يومنا هذا ، ولا تزال الأجيال ترويها ، جيلا بعد جيل .
وعندما وقع الأتراك صلح لوزان ، رأى وقد تقطعت به السبل ، أن الرفض والهجرة إلى تركيا ، أفضل من مهادنة الطليان أو الرضي بحكمهم للبلاد .. وذلك بالضبط ، تطبيقا عمليا من جانبه ، لقناعته التي صاغها شعرا في قوله :
دابين راسي حي فوق إحصاني .... ما يسكن المسلم مع النصراني
وروي عن ابنته ، انها كانت - في إحدى المعارك مع الطليان - تضرب الطبل إيذانا ببدء المعركة وتقول :
كان ولد فجره وجده غومه ..... جميع من طبع تبقى عليهم شومة
تقول مفتخرة بأبيها - حفيد البطل غومة المحمودي - بأنه سينزل الصغار والمذلة ، بمن صالحوا الإيطاليين ، وسيجعل ( تطبيعهم ) أي موافقتهم على الصلح ، شؤما وشنارا وعارا عليهم .
رمضان السويحلي :
سعدون شخصية عسكرية قتالية محضة ، لا غبار ولا استفهام عليه خلافاً لأخيه رمضان .. الذي كانت عليه تحفظات من السيد أحمد الشريف ، واختلف مع السيد صفي الدين السنوسي بعد معركة القرضابية .
ويقول الأستاذ / لاغا عن رمضان ، بأنه عرف بأسلوبه الحازم والقاسي ، وإنه كان لا يهاب أحداً ولا يعرف الحلول الوسطية .
كان رمضان السويحلي رجلاً جباراً عنيداً .. لا يرجع في رأيه مهما كانت الظروف . كتب عنه أحد الضباط الإيطاليين الذين كانوا مع القائد الإيطالي ( كارلو كانيفيا ) يقــول :
' لو اتحدت جرأة رمضان السويحلي ودهاء عبد النبي بلخير
لما غادرنا أسواق مدينة طرابلس '
ومن هنا .. فقد سعى الإيطاليون إلى إشعال جذوة الفتنة بين الاثنين والوقيعة بينهما ، وقد نجحوا بالفعل ، ووقعت الكارثة بهما وبالوطن أيضا .. وهذه إحدى مآسي الجهاد الليبي في المنطقة الغربية .. التي نتج عنها تشتت الشمل ، والضياع الذي أدى إلى ذلك الانحطاط السياسي الرهيب جداً .. في حين بقت جبهة برقة متماسكة إلى حد ما .
ومما يؤخذ على رمضان السويحلي أيضا ، أنه أعدم ثلاثة من أتباع السنوسية ، وهم القائد المجاهد / أحمد التواتي ومفتاح الزوي وعبد الله الأشهب ، وقام بدفنهم بدون غسلهم أو حتى الصلاة عليهم .
وحاول غزو برقة البيضاء ، فتصدى له رجال من المغاربة بقيادة الشريف الحرنة ، أحد أعوان المجاهد صالح لطيوش .. فردوا على أعقابهم ، في معركة معروفة قتل فيها الشريف الحرنة ، وسجل أحداثها صاحب كتاب رفع الستار عما جاء في كتاب عمر المختار ، وغيره **
لذلك فإن أهلنا في المنطقة الشرقية ، يفرقون بين سعدون ورمضان السويحلي ، ففي حين يجل أهل برقة حضراً وبادية سعدون ، ويعدونه من شهداء الجهاد المقدس .. يعتبرون ( رمضان ) رجلاً قبليا متعصبا وزعيم ( باندة ) .. وهذا الرأي يجد قبولاً لدى المحلات المجاورة لمصراته ، التي عانت كثيرا من جبروته وتسلطه ، لا سيما قبيلة ورفلــة .
خليفة بن عسكر
ومــن خلال بحثه المستقل : ' مواقف خالدة في حياة بن عسكر' .. يعــدد الأستــاذ / لاغــا ، الصفات الإنسانية للمقاتل والقيادي ( بن عسكر ) إلى أن يقول :
' ومن ضمن تلك المواقف ما ذكره الكاتب التونسي الشهير محمد المرزوقي ، الذي جاء إلى ليبيا ، وصنف كتاباً بعنوان ' دماء على الحدود ' وجسد فيه التعاون بين التوانسة والليبيين في نالوت ، حيث كان كلا الفريقين عندما تضيق عليه الأمور ، يجد المتسع والفرج في الطرف الآخر من الحدود . وكان هناك تعاوننا بين الطرفين في القتال ضد المستعمر الفرنسي والإيطالي على حد سواء . ومن ضمن تلك المعارك كانت معركة ( الذهيبة ) وهي قرية تونسية تبعد عن قرية وازن الليبية 15كم . وكان خليفة بن عسكر قد عبر الحدود في كوكبة من الليبيين والتوانسة الذين لجئوا إلى ليبيا واشتبكوا مع الفرنسيين في الذهيبة ، وتم أسر ضابط فرنسي في تلك المعركة يحمل معه مرتبات جنود حامية ( الذهيبة ) .. فأخذ أحد المجاهدين الحقيبة التي بها المرتبات من الضابط الجريح الأسير .
وبعد انتهاء المعركة طلب الأسير الفرنسي مقابلة قائد المجاهدين . فقال الضابط الفرنسي لابن عسكر : أنت تقود مقاتلين أم عصابة لصوص ، وكانت نبرة حديثه مشحونة بشيء من الاستهجان ، لما قام به جنده من أخذ مرتبات الجند منه .
فأمر بن عسكر أن تحضر الأموال والجندي الذي أخذها ، وعندما جاء المجاهد سأله ابن عسكر عن فعلته فأخبره بأن هذه غنيمة ونحن نحتفظ بها لعلنا نجدها في أيام عصيبة .. ولكن ابن عسكر أصر على أن ترجع تلك الأموال إلى صاحبها ، وأخبر الفرنسي أنه بالفعل يقود هؤلاء الرجال وهم مقاتلون وليسوا لصوصاً .. وطلب منه التأكد من أمواله كاملة وإذا ما نقص منها فلس ، فإنه سيعوضه .. وكتب هذا الضابط الفرنسي فيما بعد مذكراته وذكر الحادثة وقال :
' كان موقفاً رائعاً من خليفة بن عسكر، الذي كان بإمكانه أن يستولي
عليها كغنيمة حرب وأنا أسير جريح عنده '
§ وفي موقف آخر من مواقفه .. وعندما طلب القائد الإيطالي ، من أحد العملاء في جبل نفوسة ، إحصاء البنات البكر في قرية ( كاباو ) لكي يتزوجوا منهن .. فجاء رجل غيور إلى البي خليفة ، كما كان يعرف ، وأعلمه بأن الإيطاليين أحصوا ما يقرب من 40 فتاة في ( كاباو ) .. فأمر بتجهيز الخيل واعتراض الطليان في طريق عودتهم إلى طرابلس .. وعارض أحد المقاتلين في ذلك ، بحجة أن بناتهم في ( نالوت ) قد سجلن أيضاً ، وهن أولى بالحماية من بنات ( كاباو ) لكونهم من القرية نفسها ، فرد عليه بن عسكر بحدة قائلا :
لا فرق بين بنات ( نالوت ) وبنات ( كاباو ) كلهن بناتنا .
وبالفعل اعترضوا القافلة الإيطالية التي كانت تقصد ( كاباو ) ، وأبادوها بالكامل . وتسمى هذه المعركة ( بجنان نصيب ) ولها نصب تذكاري ، تحت الجبل في الطريق إلى نالــوت .
§ حاصر الإيطاليون خليفة بن عسكر ، في قصر الوطية ، وقبضوا عليه ومن معه ، ونزعوا أسلحتهم ، وأعدم فيما بعد – يرحمه الله - في مدينة الزاوية سنة : 1923م .
هامش :
ـــــــــــ
* عرض مختصر لكتاب : أبطال وملاحم: من جهاد رجال عمر المختار : في حـوار مع الأستاذ الباحــث / فرج مصطفى لاغا ، إعـداد وتحريــر / د. فـرج عبد العزيز نجــــم .
** انظر العيساوي ، محمد الأخضر - رفع الستار عما جاء في كتاب عمر المختار ، ص : 35 - 54 ، 48 ، 64.
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
| 1 | 2010/5/16 |









