هذا الكتاب : أبـطـال ومـلاحـم 5
04:14:33 17/6/2008

حوار مع الأستاذ الباحث / فرج مصطفى لاغا *
سعيد العريبي
المنارة – 16-6-2008
المجاهد ابريك اللواطي
ينتسب هذا المجاهد الكبير إلى عائلة اللواطي ، التي تولت عن جدارة ( المشيخة ) والقيادة في بيت إبراهيم ، أحد بطون قبيلة العواقير .. ودفعت ضريبة كبيرة للوطن بدماء شيبها وشبابها .
جده شيخ العواقير المعروف : حمد اللواطي .. وأمه إبنة : امهدي الحرنة ، أحد مجاهدي قبيلة المغاربة ، التي خصها الجنرال ( غراتسياني ) بالذكر مع قبيلة العبيد في قولــه : ( قبيلتان سببتا لنا الكثير من المشاكل .. المغاربة في الغرب والعبيد في الشرق ) .
قبيل الإحتلال :
رغم أن هذا المجاهد كان أبيض اللون ، إلا أنه اشتهر بـ ( ابريك العبد ) ، ولهذا اللقب قصة طريفة يرويها لنا الأستاذ / لاغا ، فيقول :
كان المجاهد ابريك ، قبيل الاحتلال الإيطالي ، يشتري التمور من واحة جالو بالآجل .. أي أن تجار التمور يؤجلون قبض ثمنها إلى الموسم التالي .. وفي إحدى المرات ، التي قدم فيها إلى جالوا لشراء التمور، لم يجد التجار الذين يبيعونه بالآجل ، ورفض التجار الجدد ، تسليمه كمية التمور التي يريدها ، إلا إذا دفع ثمنها مقدما أو أن يبقى هو رهينة لديهم ، إلى أن يعود رفاقه بالثمن في الموسم القادم .. وقبل صاحبنا بهذا الشرط .. وفضل البقاء في الأسر ، على العودة إلى الأهل ، خالي الوفاض ، بلا زاد .
عاد رفاقه إلى الديار بالتمور، وبقي هو في جالوا ، ليشمر عن ساعديه ، ويشتغل مع العمال في مزارع النخيل .. إلى أن رجع الرفاق في الموسم التالي ، وسددوا ما عليهم من ديون .. أي بعد ما يقرب من سبعة أشهر كاملة .
ولم تكن تلك التمور التي يجلبها لآل اللواطي فقط ، بل لمن جاورهم ، وللضيوف أيضا .. تمشيا مع ما درج عليه العرب من إكرامهم للجار وللضيف .
ولم ينس الناس حسن صنيعه ذاك ، فقد روي أن جارة له ، كانت تضرب الطبل استعداداً لإحدى المعارك وتقول :
( ابريك ولد بوسيف ... علي شان جاراته ارهن )
راية الجهاد المباركة :
استلــم المجاهــد ابريــك ( راية الجهاد ) مــن السيد أحمد الشريف ، وعاهــده علـى المضي في طريق الجهاد .. ويؤكد لنا الأستاذ / لاغا : بأنه رأى تلك الراية ، عند إحدى عجائز اللواطي ، وحجمها متر مربع تقريبا ، ومكتوب عليها شعار السيد أحمد الشريف : ' الجنة تحت ظلال السيوف '.
ونقل الأستاذ / لاغا عن تلك العجوز قولها : إن السيد أحمد الشريف عندهم ولياً من أولياء الله .. وإذا ما مرض أحدهم يغطى بتلك الراية - من باب التبرك بها - فيصبح معافىً بإرادة الله تعالى .
شهداء آل اللواطي
قتل إخوته الخمسة مع من قتل من الليبيين في جهاد المهجر ضد الفرنسيين في تشاد والسودان وفي مصر ضد الإنجليز . كما استشهد أبناؤه الثلاثة في معارك عدة من برقة .. أحدهم ويدعى حسن ، قتل في معركة ( الحقيفات ) ، وكان ضابطاً برتبة ملازم أول مع القائد العربي نجيب الحوراني .
إعدام زوجته وإبنته :
وفي محاولة فاشلة من أجل إرغامه على الاستسلام ، اعتقل الإيطاليون زوجته وابنته وأودعوهما معتقل العقيلة .. وأبلغوه بأنه إذا استسلم وسلم سلاحه ، فسيطلق سراحمها في اليوم التالي لاستسلامه .. وإلا فأنهما ستواجهان عقوبة الإعدام .. فكان رده أعنف مما توقعوا ، حيث سخر من مساومته إياه على ترك الجهاد بقوله :
( لا تنسوا – بعد أن تنفذوا حكم الإعدام فيهما –
أن تبعثوا لي بقطع من كبديهما )
وبالفعل نفذ المجرمون حكم الإعدام فيهما .. ولم يكن ذلك ، لتثنيه عن مواصلة جهاده البطولي ، وفاءً لراية الجهاد ، التي سلمه إياها السيد أحمد الشريف .
مساومة أخرى :
وأثناء توليه قيادة دور الابيار، حاول الإيطاليون كسب مودته فابتنوا له قصراً بمنطقة الأبيار، مثلما فعلوا مع الشيخ عبد السلام الكزه في منطقة سلوق .. وبعدما انتهوا من بناء القصر وتأثيثه أبلغوه بذلك ، فقال لهم قولته المشهورة :
( قصري على ظهر ناقتي )
مشيرا بذلك إلي بيته البدوي ، الذي يحمله على ظهر ناقته ، وينصبه أينما ومتى يريد ، فرارا من الظلم والضيم أو طلبا للمكان الخصيب .
مصادرة أملاكه :
بعدما أصدر ( غراتسياني ) قرارا بمصادرة جميع أملاكه .. هاجر الشيخ المجاهد أبريك اللواطي إلى مصر فقيرا معدما حافي القدمين ، فوافته المنية – يرحمه الله – في السلوم .. ودفن هناك وحيداً في مكان يسمى ( علوة الزرقاء ) .. ليصدق عليه - بعد عمر حافل بالمعارك والبطولات - قول الشاعر :
مشيناهــا خطـــى كتبت علينـا ومن كتبت عليه خطى مشاهــا
ومن كانت منيته بأرض فليس يمــوت فــي أرض سواهــــا
المجاهد إبراهيم الفيل
ويتطرق الأستاذ / لاغا في حواره إلى الحديث عن المجاهد / إبراهيم عبد السلام الفيل .. فيصفه بقوله : إنه بطل مهيب ، لا يمل المرء من أخباره ، وهو من قبيلة العريبات التي قدمت الكثير للوطن وللجهاد .. وأعطت للتاريخ ضريبة غير عادية وغير مدونة ، ولكن كل ذلك في سبيل الله تعالى ولن يضيع ذلك أبدا .
لم يبق من أبناء هذا المجاهد الكبير ، سوى إبنا واحداً اسمه الجارح ، ومنه أحفاده الذين يعيشون ، بالقرب من قرية سيدي خليفة ، في منطقة تعرف بـشط العريبات ، شرق مدينة بنغازي بحوالي 25 كم .
موقفه من الأتراك :
كان إبراهيم الفيل - قبيل الاحتلال الإيطالي - مطلوباً من قبل سلطات الدولة العثمانية ، وكان الأتراك يسمونه بالجناية ، لأنه كان يرفض دفع الضرائب على أغنامه .. بحجة أن السلطات التركية ، أثقلت كاهل الأهالي بها .
فطاردته السلطات العثمانية ، فاضطر لترك موطنه شرق بنغازي ، واستقر بأغنامه في منطقة القوارشة .. ولأنه كان قناصاً من الطراز الأول ، فقد أفشل كل محاولات الأتراك في القبض عليه .. وكان يعترض طريق ، عمال الأتراك والمتعاونين معهم ، حتى سمي بـ ( قاطع الطرق ) .. ويجد البعض له العذر في ذلك ، بحجة أنه كان مطاردا من قبل الأتراك ، ومجبرا على محاربتهم .
من جناية الأتراك إلى جناية الطليان :
وعندما داهم الطليان ليبيا تحول إبراهيم الفيل ، من جناية الأتراك إلى جناية الطليان .. وكان سباقاً إلى ساح الوغى ، وشارك في معركة جليانة ببنغازي في أكتوبر 1911م ، واستشهد في تلك الملحمة اثنان من إخوته
وشارك أيضا في معركة هواء الزردة ، والسلاوي ، وبنينه ، وقضي ليلة كاملة فيما عرف بنقطة نجيب ، يتبادل الرماية مع قناص عميل للطليان - من أهالي بنغازي - يدعى سالم الطرابلسي .
من مواقفه البطولية :
تقدم أهل الساحل إلى الفيل ، يشكون من ضابطً إيطاليً متعجرف ، يستعرض عضلاته عليهم من حين إلى آخر.. وكان يركب حصانه بالجنب - كما يفعل رعاة البقر الأمريكان في الأفلام - ويضيق عليهم الطرق والمراعي ويضربهم بدون سبب ، أو خوف من عقاب .. فقال لهم إبراهيم : سأريحكم من شره .
وبات ليلته تلك في دار العريبات ينتظر قدومه ، ولما تقابل الاثنان بدأ الإيطالي كعادته ، في غطرسته واستعراضه ، فأطلق إبراهيم رصاصة في الهواء ، ليجس بها خصمه .. فظن الإيطالي أن إبراهيم لا يجيد الرماية ، فأقبل بحصانه إليه ، مصوبا بندقيته باتجاهه .
فانطلق الفيل كالسهم إليه ، وبحركة بهلوانية ، تدلى من أحد جانبي الجواد ، ممسكا بسرجه ، ولما اقترب منه أطلق النار عليه ، فسقط كالأرنب يسبح في دمائه .. وبذلك تخلص الأهالي من ذاك الطاووس المتغطرس .
إنتقاله إلى دور المغاربة :
انضم الفيل بعد ذلك إلى دور المغاربة حول منطقة إجدابيا ، فشارك في معركة حيشان اجبيل عام 1913م، وأبلى فيها بلاءً حسناً .
لكنه لم يحضر معركة بلال الأولى ، حيث كان في مهمة عسكرية كلفه بها صالح لطيوش آمر الدور، فلم حضر وأخبروه بالمعركة بكى لعدم مشاركته فيها .. فمازحه أحد المجاهدين عما أبكاه ، فرد عليه قائلا : ( اهلبتني هالقطيعة ) .. يعني فاتنتي تلك المعركة ، فقال له ممازحا : ( والله لو قطيعة إسلام ما هلباتك ) .. مذكراً إياه بأنه كان ، ممن يقطع الطرق على ولاة الأتراك وعمالهم العرب .. ولكن الرجل بشره بقوله : ( سوك راح ، بكره راسمه من جديد - وتي روحك لها ) .. وكــان الطليان قــد عزموا على النزول في البريقة ، فقــرر المجاهدون ملاقاتهم هنــاك ، فيما عرف بعد ذلك بمعركة البريقة .
شجاعة نادرة :
وفي اليوم التالي التقى الفريقان في معركة البريقية ، وكان بجانب الشيخ إبراهيم رفيقه الملازم له دائماً رابح القبايلي .. وبينما هما على صهوتي جواديهما سحب الشيخ إبراهيم لجام فرسه فقال له رابح : ( قيسها صيرتلك ذلة يا شيخ إبراهيم ) .
أي يبدو أنك قد جبنت .. فقال له إبراهيم : ( اللي فيه ذلة هو الخلي فيه اللجام ) .. أي الجبان من يتمسك بلجام حصانه .. وأخذ لجام حصانه وطرحه على الأرض .
وكان ذلك بمثابة تحدٍ لرفيقه رابح .. فما كان من رابح إلا أن طرح لجام حصانه أيضاً ، وقبض كلاهما على سبيب جواده ونزلا إلى ساحة المعركة .. وقد ترك الإثنان الأمر للجوادين يقودانهما حيثما شاءا ويقفان متى أرادا ، وهذا ضرب من التهور والمجازفة النادرة .. وسرعان ما نال رابح القبايلي الشهادة .
وعندما انتهت المعركة ، وتفرق المجاهدون يتفقدون جرحاهم وقتلاهم ، ويجمعون الأسلحة والغنائم .. كان من بين الجرحى ضابط إيطالي ، ملقىً على الأرض ، اقترب منه الشيخ إبراهيم ظنا منه أنه ميت ، فأطلق الإيطالي عليه النار ، فسقط إبراهيم شهيداً .
الأخوة الشهداء :
استشهد من إخوة إبراهيم الفيل ثلاثة – كما اشرنا – أحدهم في معركة جليانة ، واستشهد الثاني ويدعى الدرحي عبدالسلام الفيل ، في زاوية الطيلمون ، بعد أن منع فرقة إيطالية من التقدم .. كان يجيد الرماية ، ويقتل كل من يقترب منه .. وكان في نية قائد الفرقة الإيطالي أن يقبض عليه حياً .
وعندما نفدت ذخيرته ، قال لرجل معه ، خذ حصاني هذا وابتعد به ، لأنني لا أحب أن يمتطيه إيطالي كافر.. أما أنا فهذا مكاني ولن أغادره ، وصبر حتى نال الشهادة ومازال قبره هناك .. أما الأخ الثالث فقد قبض عليه الطليان في الهروج ، وأعدموه بعدما داهم الطليان نجعهم هناك .
المجاهد عبد الله الفيل
التقى الأستاذ / فرج لاغا ، بالمجاهد عبد الله الفيل العرفي سنة : 1976 .. وأجرى معه لقاء مطولا خص به مجلة الشرطة .. وهنا ومن خلال اللقاء الذي أجراه معه الدكتور / فرج نجم .. يلخص لنا الأستاذ / لاغا قصة هذا البطل فيقول :
عُرف كثير من المجاهدين بالمبارزة بالخيول منهم عبد الله الفيل العرفي ، الذي قُتل تحته ستة عشر جوادا .. وكان سريع الغضب ، ويجد في الضرب دائماً أفضل الحلول .. وقد أصيب في مواجهات مع الطليان وعملائهم ، بحوالي ست عشرة رصاصة ، تكاد تغطي إصاباتها جسده بالكامل .
وكان في معية الشيخ عمر المختار وترقى لرتبة بكباشي ، وهي تعادل رتبة مقدم بالرتب العسكرية المعاصرة .
مواجهة غير متكافئة :
ذكر بعض من كان يقود المعارك ضد الطليان ، بأنهم بعثوا للمجاهد عبدالله الفيل يسألونه وأبناء عمومته ، التصدي لفرقة إيطالية ، تحاول النزول في وادي ( سيل القود ) في الجبل إلى حين الالتحاق بهم . فذهب الفيل وأولاده وأبناء عمومته واعترضوا الفرقة الإيطالية ، وتأخر وصول المدد من المجاهدين .. فكان أن قُتل أبناؤه الثلاثة وعدد من أبناء عمومته ، وأحرق نجعهم بالكامل .. وعن تلك المواجهة غير المتكافئة ، نظم قصيدة مطولة يقول في مطلعها :
جني جوابات لسيــاد وعاد في حفافهن انواسي
من مواقفه البطولية :
في معركة ( الشعفة ) .. وحينما هجم الطرفان على بعضهما البعض ، وبينما سنابك الخيل تتسابق إلى المواجهة ، حدث أن تقابل عبد الله الفيل مع ضابط إيطالي ، وكل منهما على حصانه ، فكان الإيطالي أسرع إلى قتل حصان الفيل ، فوقع الفيل على الأرض وظن أنه سيأسره إن لم يقتله .
ولكن الفيل التقط بندقيته ونهض سريعاً ، وتعلق بالإيطالي وجذبه من على حصان وطرحه أرضاً وقتله ، ومن ثم امتطى حصانه ورجع إلى صفوف المجاهدين .
من جهاد الطليان إلى جهاد اليهود :
كان المجاهد عبد الله الفيل ، أحد الليبيين الذين تطوعوا لقتال الإنجليز وعصابات الصهاينة في فلسطين ، وكان برفقة كل من : سعيد جربوع العَِبيدي ، وسعد ارحومة الرقيعي العرفي ، وحمد بن شعيب المغربي ، ومحمد شعيب الغايش العرفي وغيرهم .
وهناك في فلسطين اختلف مع أحد الضباط السوريين ، فلم يتمالك الفيل نفسه من شدة الغضب ، فضربه على رأسه ببندقيته فسقط جثة هامدة .
هامش :
ــــــــــــــــ
* عرض مختصر لكتاب : أبطال وملاحم: من جهاد رجال عمر المختار : في حـوار مع الأستاذ الباحــث / فرج مصطفى لاغا ، إعـداد وتحريــر / د. فـرج عبد العزيز نجــــم .









