انتهى العدوان ولم تنته مناورات إسرائيل وحلفائها
09:24:04 27/1/2009
انتهى العدوان ولم تنته مناورات إسرائيل وحلفائها

السنوسي بسيكري
المنارة -27-1-2009
استشهد المئات من أهل غزة وتسببت آلة القتل الإسرائيلي في جرح وإعاقة الآلاف منهم، وخلفت دمارا يفوق الوصف..فعلت إسرائيل ذلك، وحق لها أن تفعله وهي تلقى دعما غير مشروط ولا يقدر بقدر من قبل دولة تملك أكبر قدرات عسكرية عرفها التاريخ البشري، وتواجه بضعف من قبل نظام عربي هزيل ومخترق. نعم فعلت إسرائيل كل ذلك بالقصف الجوي والبري دون أن تجرئ على المواجهة المباشرة والمتكافئة مع المقاومة. فعلت كل هذا لكنها لم تفلح في تحقيق أهدافها السياسية التي غيرت فيها وبدلت مرات حتى تداري فشلها وتمرر دعاية لانتصار موهوم كذَّبته حقائق الواقع وناقضته تحليلات المراقبين بمختلف مشاربهم. لقد أخفقت إسرائيل في القضاء على حركة حماس، وتتفق الكثير من التحليلات أن الحركة خرجت من العدوان متماسكة وأكثر شعبية محليا وكذا عربيا وإسلاميا، وجولات المفاوضات والزيارات المكوكية للوفد الإسرائيلي للقاهرة تشير إلى نجاح حماس في إفشالها مخطط تدميرها وإخضاعها، وأنها رقم صعب في المعادلة الفلسطينية وحتى الإقليمية. فقد عزز الصمود لذراع الحركة العسكري في ميدان القتال وإصرارها على أهدافها في ميدان السياسة من نفوذها وقطع الطريق على مخططات إقصائها من صدارة المشهد السياسي الفلسطيني، يقابل هذا عزلة خصومها وتعميق الصدع داخل معسكر سلطة رام الله بعد إخفاق خطة الاستنزاف لطاقة وقوة المقاومة في غزة وتورطهم في المؤامرة التي حِيكت لهذا الغرض.
نعم لقد كان من أبرز أدلة إخفاق العدوان فشل إسرائيل في خلق وضع سياسي جديد في غزة، أو إرغام حماس على تقديم تنازلات سياسية، التنازلات الذي لطالما نجحت في انتزاعها عبر حروبها مع الدول العربية منذ نشوء دولة إسرائيل. يتأكد هذا من خلال اتخاذها قرار وقف إطلاق النار بشكل أحادي، ومن خلال انطلاق حراك متعجل لدبلوماسية عربية – الملتزمون بالصمت ضد العدوان- وأوربية والتي دفع قادتها بثقلهم السياسي لأجل إنجاحها مع الحرص عن عدم المصادمة الصريحة للمطالب التي تصر عليها حركة حماس منذ الأيام الأولى من العدوان، على الأقل في الوقت الراهن. لقد هرول الزعماء الأوربيون إلى شرم الشيخ لاحتواء أثار العدوان بعد فشله، والاتجاه للإنابة عن واشنطن لتلافي الأخطاء الكبيرة ولما خلفه الغطاء السياسي الأمريكي للعدوان من أثار وقطع الطريق عن استثمار الصمود الغزاوي من قبل المقاومة على حساب مجموعة رام الله، والالتفاف على قمة الدوحة التي وصفت بقمة الممانعة ضد 'حلف التأمر' على مشروع المقاومة. فعباس الذي كال كل التهم لحماس قبل العدوان ورفض على طول الخط الالتقاء بقيادتها يدعو اليوم لحكومة وطنية وحوار مع الحركة دون شروط، وترك لمستويات دنيا مهمة القذف والتشويه. والعاهل السعودي الذي صمت عن العدوان وسمح للإعلام المدعوم سعوديا بالنيل من المقاومة ومن حماس وتحميلها مسؤولية ما جرى، استيقظ ضميره بعد ثلاثة أسابيع من العدوان وبدا في خطابه بقمة الكويت أقرب لمطالب الجموع العربية المؤيدة للمقاومة عنه من محور الاعتدال العربي السائر في الركب الأمريكي والإسرائيلي. ومبارك بدا أقل عدائية ضد المقاومة وأكثر تفهما للمطالب المشروعة لفصائلها والتي تلقى معاضدة شعبية واسعة. وسواء كان ذلك ردة فعل غاضبة حيال ما أسماه البعض الخذلان الإسرائيلي الأمريكي للقاهرة، أو تغيير تكتيكي في مواجهة الفشل الذريع للعدوان وما قاد إليه من غضب شعبي هادر وضع 'مصر مبارك' في صف واحد مع الدولة العبرية المعتدية، فإن الفضل في هذا التبدل يعود للصمود الشعبي وصمود المقاومة والتي تنجح اليوم في تغيير المواقف وستنجح في دفع الجهود لاحقا لتغيير الخرائط.
ليس من السهل اعتبار التغير الجزئي في المواقف المعلنة والدعوة للمصالحة بين من يحلو للبعض تسميتهم 'المتواطؤون والممانعون' تحولا يخدم مشروع المقاومة وحصادا مثمر لصمودها، وهو صلحا هشا ولا يمكن له التماسك. فالأرجح، كما أشرت سالفا، أن يكون هذا التبدل من قبيل الالتفاف على الحالة لتحصيل مكسب سياسي لم يتحقق عسكريا. وما يزعج في الموضوع أن من بين الدول العربية التي اجتمعت في شرم الشيخ والكويت من يتبرع بتقديم تنازلي مجاني على حساب الدماء والأشلاء الفلسطينية وذلك بالحديث عن التمهيد لإحياء المبادرة العربية للسلام، حتى مع تصريح العاهل السعودي بخصوص المبادرة، تلك المبادرة التي ضربت بها إسرائيل عرض الحائط بشنها العدوان الوحشي على الآمنين في غزة. ويمكن أن تكون الحاجة الملحة لرفع الحصار وإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي هي الوسيلة التي تعتمد عليها الدول المناقضة لحماس ومشروع المقاومة لابتزاز الحركة والبحث عن اختراق في مواقفها من العدوان والحصار والموقف من سلطة رام الله. فلا يمكن أن يفسر دعوى بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الكرم والبذل بدون حدود فيما يتعلق بالإعمار، ومسارعة الملك عبدالله للتعهد بدفع مليار دولار أمريكي لصندوق الإعمار، والضغوط التي تمارسها إسرائيل لتوظيف عملية إعادة لإعمار لتحقيق بعض من أهدافها في غزة، إلا مراهنة على الوضع المأساوي لأهل غزة نتيجة الحصار والعدوان لتنفيذ الأجندة المتعطلة، ولا نستغرب أن تُشن حملة ضد حركة حماس واتهامها بتعطيل إعادة الإعمار وعرقلة جهود الإغاثة، وتأتي اتهامات الحركة بالسرقة من المعونات العربية والدولية لأهل غزة في هذا السياق وتمهيدا لحملة تشويه مسعورة، ولن يتوانى المتورطون في تأييد العدوان الإسرائيلي في السلطة الفلسطينية وبعض العواصم العربية من فعل أكثر من ذلك لنيل من الخصم العنيد الذي يأبى الاندحار والرضوخ.
يمكن أن يفهم الدخول الأوربي على الخط بهذا الثقل (مشاركة قادة أهم دول الاتحاد في قمة شرم الشيخ بالإضافة إلى جمهورية رئيسة الاتحاد)، واجتماع وزاري في بركسل تبع القمة، لتفعيل دور الاتحاد المتوسطي أمام أول اختبار له، وكان هذا الاختبار سبب فشل عملية برشلونة التي قام على أنقاضها الاتحاد. وقد يفهم أنه من قبيل استغلال الفراغ الذي أوجده تعامل واشطن الهمجي والعبثي مع عدوان إسرائيل في الأيام الأخيرة من أيام حكم بوش، وحالة الانتقال في السلطة وقدوم أوباما إلى البيت الأبيض، وأوباما يوجه جهده إلى الأزمة المالية ويجعل منها همه الأول والعراق وأفغانستان الهم الثاني ووربما رأى الأوربيون في تعقد الوضع الاقتصادي الأمريكي وتعقد الموقف أمام الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط فرصة لملئ الفراغ. ولا يتوقع أن تشهد السياسة الأمريكية تحولا كبيرا حيال الخصوم في الصراع، وفي هذا السياق جاءت دعوة أوباما لحركة حماس لوقف الصواريخ والاعتراف بإسرائيل، غير أن هذا لا يعني بالضرورة مواصلة سياسة بوش المنحازة كلية لإسرائيل، وقرار أوباما تعيين جورج ميتشل كمبعوث للشرق الأوسط يدلل على عدم رغبته في انتهاج الموقف ذاته. أوربا إذا تسعى إلى الوصول إلى صياغة لحل الأزمة تعزز من حضورها السياسي في منطقة هي الأكثر حيوية بالنسبة لها، الحضور الذي حالت واشطن دون أن يكون له وجود وتأثير في السابق، على أن لا تصادم بروكسل الأهداف الإسرائيلية الأمريكية. بمعنى أن تنتقل أوربا من مهمة غسل الصحون في المطبخ الأمريكي - كما توافق مراقبون على وصفها في المرحلة السابقة - إلى الوكالة المباشرة لواشنطن، وذلك كمرحلة باتجاه تعظيم دورها أمام تأزم أوضاع الولايات المتحدة الأمريكية. وواشنطن تطمئن لعدم انحراف الأوربيين عن المسار الأمريكي بشكل غير مقبول، ليس على يد ساركوزي وميركل وبراون على أي حال. وجوهر التطابق بين الرؤية الأوربية والأمريكية هي ضمان الأمن الإسرائيلي وفق ما تشترطه تل أبيب والذي يتمحور حول منع وصول السلاح لقطاع غزة، ووجه الافتراق تعزيز الحضور العربي المتوسطي 'المعتدل' ممثلا في مصر من خلال دعم المبادرة المصرية المعدلة بعد تجاهل إسرائيل والولايات المتحدة لها بتوقيع اتفاق واشنطن الأمني دون وضع القاهرة في الصورة على أمل أن يلقى الرهان الأوربي قبولا لدى الحاكم الجديد في البيت الأبيض الذي أعلن عن تبنيه سياسة تعاون وتكامل عوضا عن التهميش والنزعة الفردية في السياسة الخارجية.
خلاصة القول لا يمكن اعتبار التغير في الموقف السعودي والمصري وموقف سلطة رام الله صحوة ضمير وتغيير حقيقي في المواقف عما كانت عليه قبل وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، وهي لا تعدو أن تكون التفافة على نتائج العدوان وما تلبث المواقف أن تعود إلى ما كانت عليه بعد أن عاد الهدوء على الساحة الفلسطينية والعربية. وإسرائيل التي فشلت في القضاء على حماس بعدوانها غير المسبوق في وحشيته، ستلوذ، باستخدام تهديدها بالسطوة والقوة، إلى دفع الحلفاء العرب والغرب لفعل كل ما بوسعهم لكسر شوكة حماس وتركيعها وقد يصاحب ذلك عمليات تصفية لقيادات الحركة ورموزها السياسية والميدانية، ويأتي ما أعلن عنه من التوصل إلى اتفاق أمني إسرائيلي مصري يتعلق بمنع وصول الأسلحة إلى غزة كخطوة في هذا الاتجاه. أما الغرب ممثل في أمريكا وأوربا، فلابد أن تستمر في الأمد الأقصر في مجارة المخطط الإسرائيلي مستندة على تطابق موقفها مع أهم العواصم العربية وتوفير ما تتطلبه الاتفاقات من دعم سياسي وإمداد لوجستي، ويمكن أن تراهن واشنطن على تغير موقفها تجاه طهران ودمشق لدفعهما لفك الارتباط بحركة حماس ويبقى احتمال تغير موقفها تجاه الحركة منوط بفشل الخطة البديلة لمخطط العدوان العسكري الفاشل، وهذا مرتبط باستمرار الصمود الفلسطيني وطول نفس المقاومة ويقظة القيادة السياسية والتي تتفهم بعمق المناروات الجديدة ويعكس ذلك ما جاء على لسان خالد مشعل من أن 'ما لم يحققه الخصوم عبر الديبابة الإسرائيلية لن يتحقق بواسطة خلاطة أسمنت، ومثله قول باسم نعيم 'لن يركِّعنا كيس طحين وقد صمدنا أمام الدبابة'. الصمود مستمر والمواجهة ستأخذ شكلا سياسيا وأمنيا عنيفا في الفترة القريبة القادمة، والأهم هو النجاح في الخروج من المفاوضات الجارية بصيغة تعزز هذا الصمود وتبني عليه لأجل الاستعداد لجولة قادمة يتحقق من خلالها قفزة جديدة باتجاه استقلال الإرادة وتحرير الارض.










