هذا الكتاب 6 : السيرة الشعبية للحلاج4

هذا الكتاب 6 : السيرة الشعبية للحلاج4

09:55:03 1/6/2009

هذا الكتاب 6 : السيرة الشعبية للحلاج4

 

 دراسة وتحقيق رضوان السح

 

عرض : سعيد العريبي

al_oribi@yaho.com

 

 

المنارة – 1-6-2009

 

 

ملخص ترجمته من كتاب

البداية والنهاية لابن كثير

يقول ابن كثير في ترجمته للحلاج : ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله ، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله ، فنقول : هو الحسين بن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث ، يقال أبو عبد الله ، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء .

نشأ بواسط ويقال بتستر، ودخل بغداد وتردد إلى مكة وجاور بها في وسط المسجد في البرد والحر . مكث على ذلك سنوات متفرقة ، وكان يصابر نفسه ويجاهدها ، ولا يجلس إلا تحت السماء وسط المسجد الحرام ، ولا يأكل إلا بعض قرص ، ويشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور، مدة سنة كاملة . وكان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبي قبيس ، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية ، كالجنيد بن محمد ، وعمرو بن عثمان المكي ، وأبي الحسين النوري .

رأى أهل الفقه فيه :

ولم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره ، فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والأئمة إجماعهم على قتله ، وأنه قتل كافرا ، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا ، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه .

ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه ، وغرهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله ، فإنه ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك ، ولكن لم يكن له علم ، ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان . فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه .. قال سفيان بن عيينه : من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى .

ولهذا دخل على الحلاج الحلول والإتحاد ، فصار من أهل الانحلال والانحراف .

اختلاف أهل التصوف فيه :

قال الخطيب البغدادي والصوفية مختلفون فيه ، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم ، وأبي أن يعده فيهم .. والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله ، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده .. وله إلى الآن أصحاب ينتسبون إليه ويغالون فيه ويغلون . وقد كان الحلاج في عباراته حلو المنطق ، وله شعر على طريقة الصوفية .

تعلمه للسحر :

وقد روي أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان ، وهو في ذلك كله يظهر للناس من الدعاة إلى الله عز وجل .. وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر ، وقال أدعو به إلى الله .

قوله بالحلول :

ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة ، منها  كثرة شعره في ذلك ، كقوله  :

مزجت روحك في روحي كما ........... تمزج الخمرة بالماء الزلال

فإذا مسك شئ مسني ........................ فإذا أنت أنا في كل حال

ـــــ

أريدك لا أريد ك للثواب ......................... ولكنـي أريــدك للعقــاب

وكل مآربي قد نلت منها .................... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب

لباسه :

كان الحلاج يتلون في ملابسه ، فتارة يلبس لباس الصوفية ، وتارة يتجرد في ملابس زرية ، وتارة يلبس لباس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد ، وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له : ما هذه الحال يا حلاج .. ؟ فأنشأ يقول :

لئن أمسيت في ثوبي عديم .................... لقد بليا على حر كريم

فلا يغررك أن أبصرت حالا .................. مغيرة عن الحال القديم

فلي نفس ستتلف أو سترقى ................لعمرك بي إلى أمر جسيم

قول بلا عمل :

روى الخطيب بسنده إلى الحلاج أنه قال : علم الأولين مرجعه إلى أربع كلمات : حب الجليل وبغض القليل ، وإتباع التنزيل ، وخوف التحويل .. وعلق ابن كثير على ذلك بقوله : وقد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين ، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة بل تحول عنها إلى الاعوجاج والبدعة والضلالة ، نسأل الله العافية .

معارضته للقرآن في البلد الحرام :

قال أبو عبد الرحمن السلمي ، عن عمرو بن عثمان المكي أنه قال : كنت أماشي الحلاج في بعض أزقة مكة ، وكنت أقرأ القرآن ، فسمع قراءتي فقال : يكنني أن أقول مثل هذا ، ففارقته .

قال الخطيب : وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول : الناس فيه –  يعني الحلاج –  بين قبول ورد ، ولكن سمعت محمد بن يحي الرازي يقول :

سمعت عمرو بن عثمان يعلنه ويقول : لو قدرت لقتلته بيدي .. فقلت له : إيش الذي وجد الشيخ .. ؟ .. قال : قرأت آية من كتاب الله فقال : يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به .

وقال أبو زرعة الطبري : سمعت أبا يعقوب الأقطع يقول : زوجت ابنتي من حسين الحلاج ، لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده ، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال خبيث .

ودخل عليه عمرو بن عثمان وهو بمكة ، فوجده يكتب شيئا في أوراق ، فقال له : ما هذا .. ؟ .. فقال : هو ذا أعارض القرآن .. فدعا عليه فلم يفلح بعدها .. وكتب عمرو بن عثمان كتبا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه ، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا ، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل ، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين ، فقتله بسيف الشرع الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق ، والله أعدل من أن يسلطه على صديق ، كيف وقد تهجم على القرآن العظيم ، وقد أراد معارضته في البلد المحرام حيث نزل جبريل ، وقد قال تعالى :  ' وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ' 1 .. ولا إلحاد أعظم من هذا ، وقد أشبه الحلاج كفار قريش في معاندتهم ، كما قال تعالى عنهم : ' وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ  ' 2 .  

أشياء من حيل الحلاج

قيل إنه لما قدم الحلاج على بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الحيل الشيطانية ، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل .

1

استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الإيمان به فقال له الرافضي : إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس ، وقد شبت ، فإن أنت أذهبت عني هذا آمنت بك ، وأنك الإمام المعصوم ، وإن شئت قلت إنك نبي ، وإن شئت قلت إنك أنت الله ، قال : فبهت الحلاج ولم يحر جوابا .

2

وقال الحلاج يوما لرجل : آمن بي حتى أبعث إليك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا .. فقال له الرجل : آمن أنت بي حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه عنان السماء ، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك .

قال : فبهت وسكت .

3

وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : كان الحلاج متلونا ، تارة يلبس المسوح ، وتارة يلبس الدراعة ، وتارة يلبس القباء ، وهو مع كل قوم على مذهبهم ، إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم  .. ولما قدم الأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة ، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك ، فقال : إن هذا كله مما يناله البشر بالحيلة ، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ، ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك  .. فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز .

4

نصب واحتيال

روى الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه ، وأمره أن يذهب إلى بلد من بلاد الجبـل ، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهــد ، فإذا رآهم قد اقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه ، أظهر لهم أنه قد عمي ، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح .

فإذا سعوا إلى مداواته ، قال لهم : يا جماعة الخير ، إنه لا ينفعني شئ مما تفعلون ، ثم يظهر بعد أيام أنه قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له : إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب ، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني ، في الشهر الفلاني وصفته كذا وكذا ، وقال له الحلاج إني سأقدم عليك في ذلك الوقت .. فذهـب ذلك الرجـل إلى تلك البــلاد ، فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرا القرآن .

فأقام مدة على ذلك حتى اعتقدوه وأحبوه ، ثم أظهر لهم أنه قد عمي ، فمكث حينا على ذلك ، ثم أظهر أنه قد تكسح ، فسعوا إلى مداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شئ ، فقال لهم ك يا جماعة الخير ، هذا الذي تفعلونه معي لا ينتج شيئا ، وأنا قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي : إن عافيتك وشفاءك إنما علي يدي القطب ، وأنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني .. وكانوا أولا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه .. وكان ذلك في الوقت الذي ذكر لهم ، واتفق هو والحلاج عليه .

واقبل الحلاج حتى دخل البلد متخفيا ، وعليه لباس صوف أبيض ، فدخل المسجد ولزم سارية ، يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد ، فعرفه الناس بالصفات التي وصفها لهم ذلك العليل ، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به ، ثم جاؤوا إلى صاحبهم الكسيح فأخبروه بخبره ، فقال : صفوه لي ، فوصفوه له فقال : هذا الذي أخبرني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ، وإن شفائي على يديه ، اذهبوا بي إليه .

فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال : يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله في المنام ، ثم ذكر له رؤياه ، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما ، كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر ، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شئ والناس حضور ، وأمراء تلك البلاد وكبراؤها عنده ، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا ، على ما أظهر لهم من الباطل والزور .

ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم .. فلما أراد الخروج عنهم ، أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال : أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا ، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا ، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس ، ويحجون ويتصدقون ، ومحتاجين إلى ما يعينهم على ذلك .

فقال  صاحبهم الكسيح الأعمى : صدق الشيخ ، وقد رد الله علي بصري ومن علي بالعافية ، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله ، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم ، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم .

ثم إن الحلاج خرج عنهم ، ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة ، إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ، ألوفا من الذهب والفضة ، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم ، فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال .

5

سر السمكة

وروى عن بعضهم أنه قال : كنت اسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات ، فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي : تشتهي على الساعة شيئا .. ؟  فقلت : أشتهي سمكا طريا .

فدخل منزله ورجلاه عليهما الطين ، فقال : دعوت الله فأمرني أن آتي البطاح لآتيك بهذه السمكة ، فخضت الأهواز وهذا الطين منها .

فقلت له : إن شئت أدخلتني منزلك حتى أنظر ليقوى يقيني بذلك ، فأن ظهرت على شئ ، وإلا آمنت بك .. فقال : ادخل .. فدخلت ، فأغلق لي الباب وجلس ينتظرني .

فدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره ، فتحيرت في أمره ، ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة ، فحركتها ، فانفلقت فإذا هي باب منفذ فدخلته ، فأفضى بي إلى بستان هائل ، فيه من سائر الثمار الجديدة والعتيقة ، قد أحسن إبقاؤها ، وإذا أشياء كثيرة معدودة للأكل ، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة ، فنال رجلي من الطين مثل الذي نال من رجليه .

فجئت إلى الباب فقلت له : افتح قد آمنت بك ، فلما رآني على مثل حاله ، أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني ، فضربته بالسمكة في وجهه وقلت له : يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم .

ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكني وقال : لا تخبر أحدا بما رأيت ، وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك .. قال : فعرفت أنه يفعل إن أخبرت أحدا بذلك ، فلم أحدث به أحدا حتى صلب .

 

ــــــ

نكتفي بهذه المقتطفات من حيل الحلاج ومقالبه الشيطانية التي قادته إلى إدعائه للنبوة في بداية أمره ، وللإلوهية والربوبية في نهاية المطاف .. في الجزء الخامس بإذن الله تعالى :  سنعرض وباختصار صفة مقتله ، كما يرويها ابن كثير في كتابه : البداية والنهاية .

 

 

 

ــــــــــــــــــ

1.                                          الحج : 25 .

2.                                          الأنفال : 31 .

 

 

طالع ايضا للكاتب

 

الجزء الاول

الجزء الثاني

الجزء الثالث

مقالات اخرى للكاتب


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
شكر ودعاء
فرج الفيتوري
بنغازي
2009/6/2
2
إعتراف
سالم
بنغازي
2009/6/2
3
عروض هادفة ..وأهداف نبيلة
علاء الكزة
بنغازي
2009/6/2
4
اعتراضٌ على مقالة
محمد
ليبيا
2009/6/2
5
ما هم كلهم واحد يا فاهم
مصطفى
طرابلس
2009/6/2
6
معنى كلمة زنديق
عبد العالي
الخمس
2009/6/2
7
تعريف الزنديق
عبد العالي
الخمس
2009/6/2
8
أجني العسل ولا تكسر الخلية..
غازي
بنغازي
2009/6/3
9
ردود
سعيد العريبي
بنغازي
2009/6/3
10
ردود
سعيد العريبي
بنغازي
2009/6/3
11
كمل الباقى
ابومالك
طرابلسى
2009/6/4
12
قطف الثمار
علاء الكزة
بنغازي
2009/6/6

استطلاع الرأي