الوسطية في القرآن الكريم (13)
17:07:52 26/7/2010
الوسطية في القرآن الكريم

الدكتور الشيخ علي محمد الصلابي
الوسطية في القرآن الكريم

الدكتور الشيخ علي محمد الصلابي
المبحث الثاني
وسطية لقرآن في العقيدة
أولا: التعريف بالعقيدة:
أ- العقيدة لغة (من العقد، وهو الربط والشدة بقوة، منه الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصة والإثبات والتوثق)([1]).
ب- العقيدة في الاصطلاح: كلمة العقيدة لم تكن موجودة في الكتاب والسنة، ولا في أمهات المعاجم، وإن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها (عقائد) هو القشيري([2]) سنة 437هـ في كتاب الرسالة وهي كلمة مولدة لم تكن في الصدر الأول([3]).
وقد عرفها الدكتور ناصر العقل([4]) فقال: (الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة في أصول الدين وأمور الغيب وأخباره وما أجمع عليه السلف الصالح والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالطاعة والتحكيم والإتباع)([5]).
يشمل التوحيد والإيمان والإسلام والغيبيات والنبوات والقدر والأخبار، وأصوله الأحكام القطعية، وسائر أصوله الدين، والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل والمذاهب الضالة، والموقف منهم ومن مسميات هذا العلم، العقيدة، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين.
والعقيدة في الإسلام تقابل الشريعة، إذ الإسلام عقيدة وشريعة تعني التكاليف العملية التي جاءت في القرآن والسنة النبوية في العبادات والمعاملات. والعقيدة هي أمور علمية يجب على المسلم أن يؤمن بها، لأن الله أخبرنا بها عن طريق كتابه، أو عن طريق وحيه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأصول العقائد التي أمرنا الله باعتقادها هي التي حددها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل المشهور بقوله: 'الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى'([6]) فالعقيدة في ديننا هي التي تدور حول قضايا معينة، هي التي أخبرنا بها الله ورسوله، وليست اعتقاد أي شيء وحتى تصبح هذه عقيدة لابد أن تصدق بها تصديقا جازما لا ريب فيه، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنا لا عقيدة([7]) والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) [الحجرات:15]، وقوله تعالى: (.الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:1-2]، وقال: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران:9]، وذم المشركين المرتابين: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: 45]، والمسائل التي يجب اعتقادها أمور غيبية، ليست مشاهدة منظورة، وهي التي عناها الله بقوله عندما مدح المؤمنين: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3]، فالله غيب وكذلك الملائكة واليوم الآخر، أما الكتب والرسل فقد يتبادر أنها تشاهد وتنظر، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله أي كون الرسل مبعوثين من عند الله، وأن الكتب منزلة من عند الله، وهذا أمر غيبي.
ثانيا: العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة
العقيدة ليست مختصة بالإسلام، بل كل ديانة أو مذهب لا بد لأصحابه من عقيدة يقيمون عليها نظام حياتهم، وهذا ينطبق على الجماعات والأفراد والأمم والشعوب، والعقائد منذ بدء الخليفة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهي قسمان:
الأول: يمثل العقيدة الصحيحة، وهي تلك العقائد التي جاءت بها الرسل الكرام في أي زمان ومكان، وهي عقيدة واحدة، لأنها منزلة من العليم الخبير الحكيم العزيز.
والقسم الثاني: يشمل العقائد الفاسدة على كثرتها وتعددها، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر ومن وضع مفكريهم وعقلائهم، وعلمهم محدودًا ومقيدًا بقيود بشرية متمثلة في عادات وتقاليد وأفكار.
وأحيانا يأتي فساد العقيدة من تحريفها، وتغييرها وتبديلها، كما هو الحال بالنسبة للعقيدة اليهودية والنصرانية في الوقت الحاضر، فإنهما حرفتا منذ عهد بعيد، ففسادهما كان من هذا التحريف، وإن كانت عقيدتها سليمة الأصل([8]).
ثالثا: أين العقيدة الصحيحة اليوم؟
العقيدة الصحيحة لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأنهما محفوظتان لحفظ الله لهما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] والعقائد في غير الإسلام وإن كان في بعضها قليل من الحق، فإنها لا تمثل الحق ولا تجليه.
فالعقيدة الصحيحة السليمة لا توجد في اليهودية ولا في النصرانية، ولا في كلام الفلاسفة... وإنما توجد في الإسلام في أصلية: الكتاب والسنة، ندية طرية صافية مشرقة، تملأ الفؤاد إيمانا ونورا وحياة ويقينا، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ) [الشورى: 52]، وتقنع العقل بالحجة والبرهان: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: 4]، وتنسجم مع الفطرة: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30].
رابعا: ماذا تعني العقيدة؟
العقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان؛ لأنه بدونها تائه ضائع يفقد ذاته ووجوده، والعقيدة الإسلامية وحدها التي تجيب على التساؤلات التي شغلت ولا تزال تشغل الفكر الإنساني، بل وتحيره من أين جئت؟ ومن أين جاء هذا الكون؟ من الموجد؟ ما صفاته ما أسماؤه؟ لماذا أوجدنا وأوجد الكون؟ وما دورنا في هذا الكون وما علاقتنا بالخلق الذي خلقنا؟ وهل هناك عوامل غير منظورة وراء هذا العالم المشهور؟ وهل هناك مخلوقات عاقلة مفكرة غير هذا الإنسان؟ وهل بعد هذه الحياة من حياة أخرى نصير إليها؟ وكيف تكون تلك الحياة إن كان الجواب بالإيجاب؟ لا توجد عقيدة سوى العقيدة الإسلامية اليوم تجيب على هذه الأسئلة إجابة صادقة مقنعة([9]) وكل من لم يعرف هذه العقيدة، أو لم يعتنقها فإن حاله لن يختلف عن حال ذلك الشاعر البائس([10]) الذي لا يدري شيئا.
جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت
ولقد أبصرت، قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرٌّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني أدري ولكنـــــــي
لست أدري!!
وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير
هل أنا أصعد أم أنا أهبط فيه وأغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب تسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجــــــري
لست أدري!!
ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنني فيه دفين
وبأني سوف أبدو وبأني سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئاً؟
لست أدري!!
أتراني قبلما أصبحت إنساناً سوياً
كنت محواً أو محالاً أم تراني كنت شيئاً
أًلهذا اللغز حلٌّ؟ أم سيبقى أبدياً
لست أدري .... لماذا لست أدري
لســـت أدري!!([11])
وهذا الشاعر الملحد فقد معرفة الحقائق الكبرى؛ فأصبح في هذه الحيرة والقلق والشك والأمراض النفسية, وأين هو من المسلم الذي يدري ويعرف معرفة مستيقنة كل هذه الحقائق، فإذا هو يجد برد اليقين، وهدوء البال، وإذا هو يسير في طريق مستقيم إلى غاية مرسومة يعرف معالمها، ويدري غايتها.
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم: 40]،وقال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. واستمع إلى الشاعر البائس يتحدث عن الموت والمصير:
إن يك الموت قصاصاً: أي ذنب للطهارة؟
وإن كان ثوباً، أي فضل للدّعارة
وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة
فَلِمَ الأسماء إثم وصلاح
لست أدري
إن يك الموت رقاداً بعده صحو طويل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل
ومتى ينكشف الستر فيدري؟
لست أدري
إن يك الموت هجوعاً يملأ النفس سلاماً
وانعتاقاً لا اعتقالاً وابتداءً لا ختاماً
فلماذا لا أعشق النوم ولا أهوى الحمام؟
ولماذا تجزع الأرواح منه
لست أدري
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور؟
فحياة، فخلود، أم فناء فدثور؟
أكلام الناس أصدق أم كلام الناس زور؟
أصحيح أن بعض الناس يدري
لست أدري
إن أكن أُبعث بعد الموت جثماناً وعقلا
أترى أُبعث بعضاً أم تُرى أُبعث كُلا
أتُرى أُبعث طفلاً أم تُرى أُبعث كهلا؟
ثم هل أعرف بعد الموت زلالتي؟
لست أدري([12])
(لست أدري ) تلك هي الإجابة عن التساؤلات الخالدة، وليست هي قول شاعر فحسب، ( فسقراط) الفيلسوف الذي يُعدّ من عمالقة الفلاسفة، يقول بصريح العبارة: (الشيء الذي لا أزال أجهله جيداً أنني لست أدري)([13])، بل إن(اللاإدريّة) مذهب فلسفي قديم .
إنه الضلالة. الضلالة عن الحقيقة إنه الشقاء: شقاء القلب تعاسة النفس وضياع الضمير المثقل المكدود، وكم في الحياة من أمثال هذا الشاعر البائس الضالّ، بعضهم يستطيع أن يفصح عن شكوته وحيرته، وبعضهم يحسّ ويعاني وتبقى أفكاره حبيسة نفسه الشقية([14]).
بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، يدرى من أين جاء، والى أين المصير، يدري لماذا هو موجود وما دوره في هذه الحياة. قال تعالى:( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الملك: 22]، إن البشرية تخبط في دياجير الظلام، وانتكست في مهاوي الشرك، وضلّت عن سواء السبيل، وانحرفت عن منهج التوحيد، الذي جاء به الأنبياء والرسل، فأُصيبت البشريّة في عقلها وفكرها وقلبها بالشرك، وما ينبثق عنه من ضياع في المنهج والفكر والعقيدة والأخلاق، فانحرفت اليهودية عن التوحيد الذي جاء به موسى عليه السلام، على دراية من أحبارهم وعلمائهم ولذلك غضب الله عليهم، وأضاعت النصارى الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام فضلّوا سواء السبيل.
فأصبحت البشرية في ظلمه شديدة قبل نزول القرآن وبزوغ فجر الإسلام، كانت البشرية قبل نزول القرآن تعجّ بركام العقائد والتصوّرات المنحرفة في ذات الله، وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان والموت، وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، حائدة عن الوسطيّة والاعتدال، والاستقامة فبعض البشر زعم أن الملائكة بنات الله، ثم عبدوا الملائكة كما فعل مشركو العرب، وبعضهم قالوا: عيسى ابن الله كما فعلت النصارى، وبعضهم قالوا: عزيز ابن الله كما فعلت اليهود. ووصفوا المولى -عز وجل- بصفات لا تليق به من صفات النقص، وشبّهوه بمخلوقاته، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وشاعت بين البشرية عبادة الأصنام، إما بوصف تماثيل للملائكة، أو بوصف تماثيل للأجداد، وإما لذاتها، وكانت الكعبة، التي بُنيت لعبادة الله وحده، تعجّ بالأصنام؛ إذ كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين صنماً غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة.
ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل لملائكة كما جاء في القرآن الكريم في سورة النجم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)[النجم: 19-28].
وانتشرت بين الناس عبادة الكواكب، وكانت قبيلة حمير تعبد الشمس و كنانة تعبد القمر، ولخم وحزام المشتري، وطي تعبد سهيلاً وقيس تعبد العبور. وأسد عطارد.
وقد جاء عن هذا في سورة فصلت (... لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37]، جاء في سورة النجم (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم: 49] وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه. ونفى ألوهية الكواكب وعبادتها، لقد سادت الصورة الشائعة للتصورات في الجزيرة العربية حيث عبادة الأصنام، وفي بلاد فارس حيث الديانة المجوسيّة، وفى بلاد الشام والرومان حيث النصرانيّة المنحرفة، واليهوديّة المغضوب عليها، وأصبحت البشرية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً تعجّ بركام من بقايا العقائد السماويّة المنحرفة، تجثم على ضمير البشرية في كل مكان، والذي كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم([15]).
ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الألوهيّة وعلاقتها بالخالق، وعلاقة الخالق بها.. فتستقرّ عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأدبهم وأخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها.
وعُني الإسلام (في أصليه الكتاب والسنة) بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان ... فلقد كان لمعظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير-الأثر في الضمير البشري وفى الحياة الإنسانية كلها.
فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمه الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المحققة به أن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها ... إن هذا كله لا يتجلّى للقلب والعقل، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية– السابقة للإسلام واللاحقة – عند إذن تبدو هذه العقيدة رحمة ... رحمة حقيقية ... رحمة للقلب والعقل، ورحمة بالحياة والأحياء، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق وقرب وأنس، وتجاوب مع الفترة مباشر عميق([16]).
خامسًا: هل تطورات العقيدة عبر الزمان؟
يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة، ولكنها ترقت وتطورت في فترات وقرون متعاقبة، ولا عجب أن يقول بهذا الإفك من لم يمنحهم الله كتابه الذي بين فيه تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه إلا أن الغريب أن يسلك هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم ويعدهم غيهم باحثين مسلمين.
ومن أمثال أولئك عباس محمود العقاد الذي يري في كتابه (الله) وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية: أن الإنسان ترقى في العقائد، ويري أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماما لترقيه في العلوم.
يقول: (كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى)([17]).
بل يري أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات ويقول: وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات، لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعاجلها العلم تارة والصناعة تارة أخرى.
ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة يقول: (فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال، كل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحدة)([18]).
ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة، فمنهم من يري أن السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء بعضهم يري أن العقيدة الدينية عبادة (الطوطم)، كأن تتخذ بعض القبائل حيوانًا (طوطميا) تزعمه أبا لها، وقد يكون شجرا أو حجرا يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين.
ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية إلى بعض الكتاب مثل مصطفي محمود في كتابه (الله) واعتنقها جملة من الدارسين والذي أ,قع هؤلاء في هذا الخطأ عدة أمور:
الأول: أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بدون معلم يعلمه ومرشد يوضح له، فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقي في العلوم والصناعات.
ثانيًا: أنهم قدروا أن الإنسان الأول خلق خلقا ناقصا غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.
الثالث: أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة فجعلوها ميدان بحثهم، فأخضعوها للدراسة والتمحيص، وأني لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة([19]).
سادسًا: القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة:
ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله –سبحانه وتعالى- ففيه علم غزير في هذه الموضوع، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكا وافيا لأسباب:
الأول: أن ما نعرفه عن التاريخ الإنساني قبل خمسة آلاف عام قليل، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل، وما قبل ذلك يعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئا، لذا فإن كثيرا من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني.
الثاني: أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير، بل قد ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف، ومما يدل على ذلك كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشق الأمور، فكيف بتاريخ يمتد إلى فجر البشرية؟
الثالث: أن قسما من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض، بل في السماء([20]) لذا كان الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله –سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5].
تاريخ العقيدة كما يريه القرآن الكريم:
أعلمنا الله سبحانه أنه خلق آدم خلقا مستقلا سويا متكاملا، ثم نفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأباح له أن يأكل هو وزوجه منها كيف يشاء إلا شجرة واحدة، فأغراه عدوه إبليس بالأكل من الشجرة، فأطاع عدوه، وعصى ربه فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض، وقبل الهبوط وعده الله سبحانه بأن ينزل عليه و على ذريته هداه كي يعرف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه ووعد المستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة، وتوعد الله المستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدنيا وبالشقاء في الآخرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 38-39]، وفي سورة طه يقول سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [ طه: 123-126].
سابعًا: الجيل الأول كان على التوحيد
هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي على التوحيد والدين الحق، فاختلفوا (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة: 213].
وفي حديث أبي أمامة أن رجلا سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: 'نعم، مكلم'، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: 'عشرة قرون' وذكر ابن عباس -رضي الله عنه-: إن كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام([21]).
ومقدار القرن مائة سنة وعلى ذلك يكون بين آدم ونوح ألف سنة وقد تكون المدة أكثر من ذلك، إذ قيد ابن عباس هذه القرون العشرة بأنها كانت على الإسلام، فلا ينفي أن يكون بينهما قرون أخرى على غير الإسلام، وقد يكون المراد بالقرن الجيل من الناس قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ) [الإسراء: 17]، (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) [المؤمنون:31].
([2]) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري صاحب الرسالة والتفسير وغيرهما، صحب أبا علي الدقاق و غيره، أخذ الفقه فأتقنه، وأخذ الأصول على ابن فورك، والأستاذ أبي إسحاق، ولد سنة 377هـ، وتوفى سنة 465هـ، انظر: تاريخ بغداد (11/83)، ترجمته رقم (5763).










