آهات جريح، وآلام ذبيح
آهات جريح، وآلام ذبيح
17:36:21 26/7/2010
آهات جريح، وآلام ذبيح

محمد عطية الفيتوري
المنارة
توطئة:
في فجر يوم جديد من أيام الشتاء، هو يوم الأحد الموافق 18/12/2005م، تذكَّرت - وبغير مناسبة - مقالاً قرأته في سبعينِيَّات القرن الماضي، نشرته مجلَّة 'العدالة' بكليَّة القانون بجامعة قاريونس، لشيخي وأستاذي الدكتور عبد اللَّطيف الشِّيرازي الصبَّاغ، أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بالكليَّة في ذلك الوقت، رحمه الله حيّاً وميِّتاً، وجزاه عنا خير الجزاء .. كان عنوان المقال: 'المئذنة الحزينة'، وهو مقال رمزي يناقش أزمة الحضارة الإسلاميَّة، فقررت كتابة موضوع آخر بالمناسبة، وسمته بعنوان: 'الدجاجة الحزينة'، فأتممت كتابته على تمام الساعة السابعة والنصف صباحاً من نفس اليوم، ونشرته يوم 24/1/2006م، في جريدة 'أخبار بنغازي'.
واليوم غَدَت 'الدَّجاجة الحزينة' آهات جريح، وآلام ذبيح على لسان دجاجة مسكينة، ترمز إلى الإنسان الذي لم يظلم، ولم يفسق، ولم يرتكب جرماً في حق أحد بل يريد الخير بمن ناصبه العداء، ويبتغي الرُّشْد لمن استقوى فتنكب عن الصِّراط السَّوي، فَضَلَّ وأضَلَّ، وعاثَ في الأرض فساداً واستعلى. وترمز الدَّجاجة كذلك إلى الشعوب المستضعفة التي قهرها الجبروت، وامتص خيراتها الاستعمار، فباتت تشكو ظلامتها لنفسها، ولربِّها، فلعلَّ شكواها تُؤجِّج نار الثَّورة على الظلم في أعماقها، وتستثير جذوة المقاومة في جذور قلوب رجالها، فتهبَّ هبَّتها لمقارعة الباطل، واسترداد حقوقها من الغاصبين.
فإليك أيَّها الأريب آهات جريح، وآلام ذبيح ...
ربَّاه! إليك أشكو من خلقتني من أجله، لأكون وما في أحشائي طعاماً لذيذاً له، ولأهله وولده .. ما الَّذي اقترفته في حقِّك أيُّها الإنسان لتناصبني العداء، وتهدِّد جنسنا نحن معشر الدَّجاج بالفناء. لقد فُطِرتُ على خدمتك؛ ليكون لحمي لك ولأولادك غذاءً، وشفاءً من السِّقام، ويكون بيضي هو الآخر لُقَيْمات يقمن صلبك، ويُسمن أولادك؛ لتبعث فيهم القوة، والسَّعادة، والحبور. لا تدري كم يهزُّني الفرح هزَّاً حين أرى أولادك في نزهاتهم يستمتعون بأكل بيضي بعد أن يزخرفوه بألوان زاهية تسرُّ النَّاظرين. لقد فُطِرْتُ على التَّحنُّن على بُنَيِّ آدم، وعُرِفْتُ بقلَّة النَّوم، وسرعة الانتباه، فلسنا معاشر الدَّجاج كغيرنا من الحيوانات، نمكث زمناً طويلاً لنكبر، ويصلب عودنا بل ما إن يخرج فرخنا من بيضته حتى يصير كاسياً كاسباً ظريفاً مقبولاً، وما هي إلاَّ مدَّة يسيرة حتى يكون صالحاً للذَّبح أو الصياح أو البيض .. أنسيت أن الغني منكم والفقير - إلا ما ندر - لا يجد رغبة في شيء من اللُّحمان إلاَّ رغبته في لحمنا؟ ما الَّذي يوقظك مع صوت المؤذِّن للصلاة أيَّها المسلم؟ ما الصَّوت الَّذي إذا سمعته أنبأك عن وجود ملائكة الرَّحمن؟ أليس هو صوت الدِّيك الَّذي يوقظك لصلاة الفجر طارداً للشَّيطان موقظاً للوسنان؟ فكأنِّي به يقول: اذكر ربَّك أيَّها الغافل، واخنس أيها الشَّيطان الرَّجيم. هل نسيت كل ذلك أيها الإنسان، وغرَّتك الحياة الدنيا، وغرَّك بالله الغرور؟ هل نسيت كل ذلك وقابلته بالجحود والنُّكران بل بمحاولة إفنائنا نحن معشر الدجاج لقاء نفع زائل لا تجني من ورائه إلا الخراب والدمار؟ لماذا أطعمتنا ما لا يطاق كالدَّم والأحشاء؟ ولماذا تسلَّلت إلى حظائرنا فأضفت إلى غذائنا خلسة حُقَناً زعمت أنها (بروتين) صناعي يسمننا بسرعة؛ ولكنَّه في النهاية يضرُّنا كما يضرك؟ وهل تظن أن (انفلونزا) الطيور هذه ستحصدنا وحدنا، وتترك من كان سبباً في اختلاقها، ونشرها في عالمك أيها الإنسان، يا من وُصِفْتَ بالظلوم الجهول؟. لقد استبد بك الطمع والجشع، فاخترعت بعد (انفلونزا) الطيور، (انفلونزا) لزملائنا الخنازير، لتثير الرعب في بني جنسك، وتجمع الأموال الحرام، وتكَدِّسها لقاء كذبك، وغشِّك، وظلمك، فأنت أيها الجشع أول مستفيد، وأبناء جنسك أول متضرر.
أنسيت أن الله جلَّت قدرته لا يظلم الناس مثقال ذرَّة، وأن الجزاء من جنس العمل؟ ...
إننا نصرخ من شدة ألم تتقطع له الأكباد، ونبكي بكاءً مُرَّاً حزيناً تسمعه مخلوقات أخرى، أما
أنت أيها الإنسان فلا تسمع إلا نقنقتي (صوت الدجاج) وصقاع ديكي(صوت الديك)، فتهز كتفيك، وتمضي غير آبهٍ في دوَّامة الحياة .. تظنُّ أنَّ الأمور تسير إلى ما يقودها إليه طمعك، وغرورك، وجهلك حتى إذا داهمتك الخطوب، ودقَّت أجراس الخطر تنذرك بمرضي الذي لن يسلم من نتائجه اقتصادك ولا صحَّة أولادك، حينئذ فقط تلتفت لنقنقتي ولصقاع ديكي، فتشرع في البحث، والتقصي، والعلاج. أحمد الله تعالى أن جعلني سخيَّة غير شحيحة، ودودة غير جحودة، إيثار بُنَيِّ آدم من ديدني، والتَّضحية بنفسي لأجله من فطرتي، فلم أكن أشكو في الزَّمان الذي مضى شيئاً أعدُّه عليك أيها الإنسان، فقد مضت أجيال منَّا نعيش حياة هانئة في كنفك، نتنفَّس هواءً نقيَّاً، ونُطْعَم غذاءً صحِّيّاً فنجتهد في أن يكون بيضنا مفيداً، ولحمنا سميناً .. ربَّاه ! حياة الإنسان مالها، تغيَّرت أحوالها؟ فلا دنياه دنياه، ولا حياته حياته ... طمع وجشع وظلامات بعضها فوق بعض ... فالسِّلاح للعدوان لا للأمان، والاقتصاد لامتصاص خيرات الشعوب لا لتوفير مقوِّمات الحياة، والحرية عنوان سجن كبير، والتَّدين دجل وزور وبهتان وخيانة، والأخلاق دموع التماسيح، والفن مومس لكل فاجر، ودعاة السَّلام ثعالب ماكرة وذئاب شرسة تستَّرت بقناع عُبَّاد ونُسَّاك مُزَيَّفين، الأحياء أموات، والأموات أحياء! ... واحسرتاه! ظلمات التيه في ليل طويل بهيم، وحشرجات، وبُحَّة في صوت ديكي، ينبعث منها حزن عميق دفين!! آهٍ من لوعة الأسى، وقسوة الظُّلم، وجَور الطُّغاة المتجبِّرين!!.
حسبك أيَّتها الغُمًَّة ألا فانجلي، إني أراه من ثقوب الظلام، نورٌ يشع من مكان بعيد، عملاقٌ غاب عنا بعد رقاد، أنشأ يتململ من غفوته ... والعاديات الموريات المغيرات اشرأبَّت بأعناقها، والوليد يزهو مستبشرا، والحياة بعدئذٍ تزدهر .. فيا لروعتها، وبهجة منظرها، وطيب أريجها.
-----------------
الإسكندرية: 26/7/2010
تعليقات القراء
| 1 |
 |
اختيار المرء قطعة من عقله |
طالب |
مصر |
2010/7/26 |
|
مقال هادف مؤثر بارك الله في الكاتب الكريم فقد أفاد وأجاد .
| 2 |
 |
ثناء |
عبدالعظيم القصبي |
طرابلس |
2010/7/26 |
|
هكذا يكون الفهم للواقع فما أجمل هذه الكلمات وماأبهاهاوما أدق معناها وماأروع أسلوبها وما أبعد مرماها نظرة ثاقبة عُبِّرَ عنهابأدب يرفع النفس ويحمِّس الروح ويحرك الوجدان ويزيد الصادقين قوة إلى قوتهم بعد أن حصَّنت عقولهم هذه الكلمات المباركة وزادت من ملكة الفهم عندهم . أضاء الله محياك وزادك من معين علمه وفضله .
| 3 |
 |
جميل |
سعد العبار |
بنغازي |
2010/7/26 |
|
اكثر من رائع ولكنه لا يستغرب منك
| 4 |
 |
احسنت |
مواطن |
ليبيا |
2010/7/27 |
|
جزاك الله خيرا
| 5 |
 |
شكر ووجهة نظر |
نصر سعيد عقوب |
بريطانيا |
2010/7/27 |
|
التعبير والتصوير الفني من أجمل الأساليب التعبيرية في عرض الفكرة وايصالها للأخرين ، وقد عبر الكاتب عن فكرته بأبلغ الكلمات وأجملها ، فمزيدا من التألق والسمو ، وإن كنت أرجو من كاتبنا في قابل الأيام ما يثلج الصدر ويوقظ الفكر ، وإن كان لي من تعليق فقد وددت أن تكون خاتمة المشهد التعبيري أفضل مما ختم به المشهد، خاتمة تحث على الحرية والتحرر من ربقة العبودية والدفاع عن الحقوق كما يدافع الديك عن أسرته المجتمعية أمام أقرانه من الديكه أو غيره من الخصوم ، آمل أن يعتبر كاتبنا الفاضل أن كلماتي ما هي إلا رأي كاتب ووجهة نظر ، وختاما لكم منا أجمل التحيات العطرة مع الشكر.
| 6 |
 |
تحية لابن المقفع |
عماد |
ليبيا |
2010/7/27 |
|
شكرا للكاتب على القصة .
ولو سميتها الدجاجة الفصيحة أحسن .
لأنها والحق يقال نطقت هذه الدجاجة المباركة بما عجز عنه البشر العقلاء !
وأعجبني لفت الدجاجة لنظر الناس الذين ياكلون من لحمها الابيض وبيضها ولا يشكرونها ولا يعترفون بمناقبها ولا يقدرون وجودها وعطاءها وما قدمته للبشرية على مدار التاريخ ! ..
مزيد من التألق والإبداع كم نحن في حاجة الى مثل هذه النظرات .
| 7 |
 |
شكر وتعليق |
محمود صافي |
طرابلس |
2010/7/27 |
|
شكرا على مقالتك الطيبة
ملاحظة على العنوان آلام ذبيح
الذبيح لا يتألم الشاة لا يضيرها ذبحها بعد سلخها
وشكرا
| 8 |
 |
الهمس في الاذن لا يُفهم |
المستبشر |
لا مكان |
2010/7/27 |
|
لغة الصم والبكم أفضل بكثير من الوشوشة في هذا الزمان بارك الله في الكاتب ووفقه لكل خير
| 9 |
 |
تحية |
سردوك |
ليبيا |
2010/7/28 |
|
تحية لك يا جاحظ ليبيا !!!!!
| 10 |
 |
ردود 1 |
محمد عطية الفيتوري |
مصر |
2010/7/31 |
|
اخوتي المعلّقين: بارك الله فيكم وبارك لكم، فألف ألف شكر وتحية على كلماتكم الرقيقة ، ونقدكم البناء. فأما أخي الطالب الذي من مصر فأحييه وأسأل الله له التوفيق والسداد، وكذلك الأستاذ القصبي شكر الله له حسن ظنه، وثناءه الجميل، والشكر موصول لكل من أخي ورفيقي الصديق الدكتور سعد العبار الذي أرجو أن ألتقي به قريبا، والأخ الذي علق باسم "مواطن". أما الأستاذ نصر سعيد عقوب، فقد كانت كلماته بلسم للشفاء ، ونقده روح من الإخلاص، أرجو أن أكون عند حسن ظنه بي، كما أرجو ألا يحرم القراء من عطائه. أما ملاحظته عن خاتمة المقال، فإني أرجو أن يعيد قراءة النص ليجد أن الخاتمة ليست حثا على التحرر من ربقة العبودية فحسب بل هي بشرى بنصر أكيد، وفتح مجيد، فمعركة الفرقان قد أزفت ساعتها، والفرسان امتطوا صهوات جيادهم، والولدان تستبشر بمستقبلها السعيد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله"(أخرجه الشيخان).. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
| 11 |
 |
ردود 2 |
محمد عطية الفيتوري |
مصر |
2010/7/31 |
|
أما الأستاذ عماد فإني في الوقت الذي أشكره فيه على كلمته الرقيقة، أقول له: إن ملاحظته زادت فكرة المقال ثراءًً فجزاه الله خير الجزاء. وأما الأستاذ محمود صافي فإني أشكره على مشاعره الطيبة، وملاحظته التي أُعلق عليها بقولي: المثل العربي المعروف هو: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها مأثور عن الصحابية الجليلة أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما. وأما الذبيح فإن المشاهَد أنه يتألم مرتين: مرة من شدة آلام الذبح، ومرة من شدة آلام خروج الروح من الجسد. وأخيراً أشكر الأخوين: "المستبشر" و "سردوك"، وأعتب على الأخير؛ لأنه وهبني ما لا أستحق ، وألبسني ما لا يصلح لمثلي، وقد يشفع له طيبة قلبه، وحسن ظنه، وهي - بلا ريب - من صفات المؤمنين. بارك الله في المنارة وبارك الله في قرائها.