منهجية الفوز في اغتنام نفحات شهر رمضان

منهجية الفوز في اغتنام نفحات شهر رمضان

02:04:23 27/7/2010

منهجية الفوز في اغتنام نفحات شهر رمضان

 

د. الأمين بالحاج

 

المنارة

 

 الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين ولا حول ولا قوة إلا  بالله العلي العظيم

 

يقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ويقول (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

أحمد الله تعالى الذي أنعم علينا بنعمة شهر رمضان، شهر المغفرة والرحمة والعتق من النيران، الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن، الشهر الذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، شهر تُصفد فيه الشياطين وتُغلق فيه أبوابُ النار وتُفتتح فيه أبواب الجنان...  نسأل الله تعالى كما منَّ علينا بنعمة شهر رمضان، أن يتم نعمته علينا بأن يوفقنا لاغتنام نفحات شهر رمضان ونستعيذ بالله أن لا يجعلنا من الذي يصدق فيهم قول رسول الله صلى  الله عليه وسلم ( رغم أنف إمريء دخل رمضان وخرج ولم يُغفر له)..

 

مذاكرتي هذه حول الاستعداد لشهر رمضان، سوف لن تكون حول الجوانب الفقهية فأنتم أدرى مني بذلك، ولا حول مجرد وعظ للتذكير بفضائل شهر رمضان فحسب، ولكنها مدارسة  ومذاكرة حول وضع مخطط لبرنامج متكامل لاغتنام النفحات العظيمة لشهر رمضان... واخترت هذا العنوان ليكون مناسبا للغرض من التذكرة، فالغاية من المخطط أن نفوزفي اغتنام نفحات شهر رمضان. لقد أحسستُ بأهمية أن نتجاوز مدارسة الجوانب الفقيهة لشهر رمضان، ومجرد المواعظ القلبية ، مع أهميتها وضرورتها، نتجاوز ذلك  للوصول للجانب العملي... نضع مخططا عمليا لنحقق الفوز..

ولعل الحكمة من مجلسنا هذا  حول رمضان وقبيل حلول  رمضان هو الإحساس بأهمية أن نكون مستعدين لهذا الشهر الكريم... فالاستعداد للشيء من أهم الأمور اللازمة للحصول عليه.

يقول تعالى : ( وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً) ، ويقول رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : « مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ ، بَلَغَ المَنْزلَ ألا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَاليةٌ ، أَلا إِنَّ سِلْعةَ اللَّهِ الجَنَّةُ» رواه الترمذي وقال :حديثٌ حسنٌ .  

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها) (متفق عليه)، وشهر رمضان من أعظم هذه النفحات التي يجب أن نتعرض لها فلعل أحدنا أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا. ومن هديه صلى الله عليه وسلم في اغتنام نفحات شهر رمضان أنه يجتهد فيه أكثر من غيره، كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَجْتَهِدُ فِي رَمضانَ مَالا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ ، وفي العَشْرِ الأَوَاخِرِ منْه ، مَالا يَجْتَهدُ في غَيْرِهِ » رواهُ مسلمٌ .

     فمن أراد الفوز في اغتنام نفحات شهر رمضان فعليه أن يستعد الاستعداد المناسب حتى لا  يجد نفسه في آخر الشهر قائلا ...( يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ). ولنا في رسول الله أسوة حسنة .. فقد كان صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان ويحثهم على الاستعداد له والجد فيه.. (أتاكم رمضان، شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تُفتح فيه أبواب السماء ! وتُغلق فيه أبوب الجحيم ! وتُغل فيه مردة الشياطين ! لله فيه ليلة خير من ألف شهر ! من حُرم خيرها فقد حُرم ! ) رواه النسائي والبيهقي وهو صحيح.

     ولقد أمرنا الله تعالى بالسباق في الخيرات، قال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، وقال تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، وكذلك أمرنا الله تعالى وحثنا على التنافس في الخيرات فقال (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم منبهاً على ضرورة المبادرة ( اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك'). ويقول (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) . رواه الترمذي وقال حديثٌ حسن. ، ولقد أمر الله تعالى نبيّه يحيا عليه السلام أن يأخذ الكتاب بقوة (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ )، فلا كسل، ولا توان، ولا تسويف، ولا تفريط. وكما يُقال: بقَدْر ما تَتَعنَّى ، تنالُ ما تتمنَّى، فالبدار البدار... والجد الجد.. فلابد من جهد واجتهاد... ووبذل وعناء...   فالأمر جلل، والغنيمة عظيمة والخسران وخيم...

بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها  ***  تُنال إلا على جسر من التعب

قال ابن الجوزي رحمه الله (فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه ، فإن بغته الموت رُؤى مستعداً ، وإن نال الأمل ازداد خيراً).  فهيا إلى التنافس، وليُـريَ كلُّ منا الله  من نفسه خيرا، فهذا شهر كريم، والفضل فيه عظيم، والفرصة مواتية، وما علينا إلا أن ننوي بإخلاص، ونعزم بصدق، ونتوكل على الحي الذي لا يموت، ونقبل على من هو  أرحم من الوالدة بولدها. فمن لم يرتقي بنفسه عملياً في رمضان متى يرتقي ومن لم يترك دركات النقصان في رمضان فمتى يترك.

 

     يقول الإمام الغزالي رحمه الله ( لن يتمَّ الاستعداد للشيء إلا إذا تكرر ذكره على القلب)، فلن يكون أحدنا مستعدا كما ينبغي إلا إذا جلس وفكر وخطط وأعد وأعاد، حتى يمتلئ قلبه بأهمية الاستعداد لشهر رمضان، وإن لم يفعل ذلك فلعله يكون من المفرطين الذي لم يأخذوا استعدادهم بالشكل المطلوب، فيتحسر على ذلك بعد فوات الأوان.  لذلك كانت هذه المذاكرة.

منهجية الفوز لاغتنام نفحات شهر رمضان تكمن في ست خطوات ..كل منها ضرورية ومهمة

 

الخطوة الأولى:  اليقظة من سِنَةِ الغفلة..

 

    من البداية دعنا نتفق على أمر وهو أن أي إنسان لا يمكن له الفوز في اغتنام أي فرصة أُتيحت له – أي كانت أخروية  أم دنيوية – لن  ينجح إلا إذا كان متيقظا  أن هناك فرصة... فالغفلة عن الفرص هي أهم سبب في ضياعها. لذلك أول خطوة نحو الفوز في اغتنام نفحات شهر رمضان أن ندرك أن هناك فرصة عظيمة علينا بالسعي لاغتنامها...

     شهر رمضان... مضمار سباق..وليس في السباق إلا الرغبة في الفوز... قال الحسن البصري رحمه الله: ( إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته ، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا ! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ! ويخسر فيه المبطلون ! ) وشهر رمضان نفحة من نفحات الله، بل نفحات كثيرة عظيمة من نفحات الله...  

إذن أول أمر هو ... اليقظة...  اليقظة: هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقد الغافلين... يقول الإمام الهروي رحمه الله... هي القومة لله تعالى في قولة (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)،  القومة من سنة الغفلة والنهوض من ورطة الفترة..   يقول تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

 

       لابد من اليقظة لاغتنام الفرص... فكيف نستيقظ لاغتنام فرص نفحات شهر رمضان؟.

 

 لكي تستيقظ لابد أن تستشعر أن هناك شيئا  عظيما يمكنك الحصول عليه وتتحسر لو فاتك.. فإذا كان الأمر هينا غير مهم، فلن تتحرك لاقتناصه.

 

أن تعرف أن هناك فرصة.. ... وتدرك عظمة هذه الفرصة... عليك أن تدرك بقلبك وعقلك معنى نفحات شهر رمضان... فهو شهر رمضان.. وما أدراك ما رمضان. .

 دعنا نتحدث عن شهر رمضان... وإليك بعض من نفحاته..

 

·        مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً واحْتِساباً ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ

 

·         إِذا جَاءَ رَمَضَانُ ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّةِ ، وغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّارِ ، وصُفِّدتِ الشياطِينُ

 

·         مَنْ فَطَّرَ صَائماً، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أجْر الصَّائمِ شيءٍ

 

·         ‏‏ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُم‏:‏ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ‏

 

·        كُلُّ عَملِ ابنِ آدَمَ يُضَاعفُ  الحسَنَةُ بِعشْر أَمْثَالِهَا إِلى سَبْعِمِائة ضِعْفٍ . قال اللَّه تعالى : «إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وأَنا أَجْزي بِهِ : يدعُ شَهْوتَهُ وَطَعامَهُ مِنْ أَجْلي . لِلصَّائم فَرْحتَانِ :فرحة عند فطره ، فَرْحةٌ عِنْدَ لقَاء رَبِّهِ . ولَخُلُوفُ فيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ريحِ المِسْكِ» .

 

·         إِنَّ فِي الجَنَّة باباً يُقَالُ لَهُ : الرَّيَّانُ ، يدْخُلُ مِنْهُ الصَّائمونَ يومَ القِيامةِ ، لا يدخلُ مِنْه أَحدٌ غَيرهُم ، يقالُ: أَينَ الصَّائمُونَ ؟ فَيقومونَ لا يدخلُ مِنهُ أَحَدٌ غيرهم ، فإِذا دَخَلوا أُغلِقَ فَلَم يدخلْ مِنْهُ أَحَدٌ

 

·         مَا مِنْ عبْدٍ يصُومُ يَوماً في سبِيلِ اللَّه إِلاَّ باعَدَ اللَّه بِذلك اليَومِ وجهَهُ عَن النَّارِ سبعينَ خرِيفاً

 

·         منْ قام رَمَضَانَ إِيماناً واحْتِساباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

 

·         مَنْ قام لَيْلَةَ القَدْرِ إِيماناً واحْتِسَاباً ، غُفِر لَهُ ما تقدَّم مِنْ ذنبه.

 

·        .... إلى غير ذلك من النصوص الواردة في فضل رمضان..

 

      اقرأ هذه النصوص وغيرها، كرر قراءتها بقلب حاضر، وعقل واع.. استشعر عظم الفرصة. لا تترك هذه النصوص حتى تتيقن أن قلبك قد استشعر بكل عمق أهمية الفرصة، وأحس بأهمية الانتفاضة والسعي الجاد لاستقبال رمضان والاستعداد له حتى يتحقق الفوز بهذه الفرصة. أخي لا تنتهي من هذه الخطوة إلا بعد التأكد من ذلك. اجلس فكر، اقرأ، فكر. أعد ..

 

الآن تنبهت لفرصة شهر رمضان، لمنح شهر رمضان، لنفحات شهر رمضان .. فاستعد لاستقباله ... بالنية الصالحة والعزم على الفوز في اغتنام هذه الفرصة العظيمة...

  

انتبهوا قبل أن تنتبهوا  ....... فبصرك اليوم حديد

 

علامة أنك استيقظت لاغتنام فرصة شهر رمضان أن تحس في عميق قلبك وصميم عقلك  وبكل وضوح بوجود رغبة حارقة ولهفة كبيرة وعزم أكيد لانتظار شهر رمضان حتى تقتنص الفرصة. فإذا كانت الرغبة قوية فسوف تغتنم شهر رمضان وإن كانت الرغبة باهتة ضعيفة فسوف تعجز عن اغتنام شهر رمضان بالشكل المطلوب. وكما يقول ابن عطاء في حكمه (لابد من شوق مقلق وخوف مزعج) .... شوق لاغتنام الفرصة وخوف من أن تضيع منك

  

الخطوة الثانية..   ماذا تريد أن   تغتنم  'أنت' في شهر رمضان؟

 

      أنت الآن أدركت أن هناك فرصة عظيمة عنوانها شهر رمضان.. وتعرفت على جوانب هذه الفرصة... فالخطوة الثانية أن  تحدد ماذا تريد أن تغتنم 'أنت' في هذا الشهر... لابد أن تخرج من عموميات الفرص التي تصف شهر رمضان.. إلى إسقاط  هذه الغنيمة عليك شخصيا .. وفق ظروفك التي تعيشها.. وفق طموحاتك التي تتمناها...

 

      وقبل أن تبدأ في وضع الأهداف، لابد أن تتذكر أن الهدف العام من صيام شهر رمضان هو الحصول على التقوى، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لهذا ليكن همّك الأول أن تضع من الأهداف ما يحقق لك بإذن الله الحصول على التقوى.

 

لذلك عليك أن تحدد أهدافك التي تريد أن تحققها في هذا الشهر العظيم حتى تتمكن من اغتنام نفحات شهر رمضان... كن طموحا.. واثقا، وضع أهدافا محددة وابتعد عن التعميمات، ضع أهدافا في كل جوانب حياتك... 

    بداية أريد أن أوصيك بأنك وأنت تحدد أهدافك، أن تفكر في هدف عظيم يتميز به هذا رمضان هذا العام. أمر كنت تحلم  أن تقوم به منذ مدة ولكنك تؤجله، أمر صعب على قلبك أن تفعله.. فكر في أمر تحس من عميق قلبك أنك إن فعلته فقد جعلت رمضان هذا العام متميزا... كن طموحا وطامعا في عون القدير الكريم سبحانه.

 

والآن لعلي أقترح بعض الأمثلة في أهداف يمكن أن نضعها في عدة جوانب، وهذه مجرد أمثله: 

 

·        في الجانب التعبدي... الصيام كما أراده الله.. صلاة التراويح... تلاوة القرآن... تدبر القرآن ... قيام الليل ... صلاة الفجر جماعة.. الذكر الطويل،  المحافظة على أذكار الصباح والمساء والنوم وغيرها ولعله فرصة لحفظها،... صلاة التوبة كل يوم ....  الاعتكاف .... الخ

 

·        في الأخلاق الإيمانية . البكاء من خشية الله، الإلحاح في الدعاء، حفظ أسماء الله الحسنىى، جلسة ذكر الموت،  ... الخ

 

·        بعض المهارات الضرورية: مهارة المشارطة صباحا والمحاسبة  ليلا، مهارة التخطيط لكل يوم، مهارة التفكر: ما نفع القلب مثل عزلة دخل بها ميدان فكرة، ... الخ

 

·        التخلص من بعض العادات السيئة: كثرة الكلام، الغضب، كثرة المجاملة، مشاهدة التلفاز بكثرة، العكوف على الإنترنت..  النظر إلى المحرمات... الخ

 

·        مع العائلة...لابد أن تتضمن خطتك أهدافا مشتركة مع عائلتك فهذا من واجبك، وعائلتك إن كانت معك في أهدافك أعانتك، وإن لم تكن معك كانت عقبة في طريقك.. رمضان  فرصة لتربية عائلتك.. زوجتك وأولادك .. على بعض الأمور والسلوكيات.. جلسة يومية للتلاوة... جلسة يومية لأذكار الصباح والمساء.. صلاة ركعات في الليل من الزوجة.. قيام الليل لكل العائلة مرة في الأسبوع. اصطحاب الأولاد للمسجد.... التدريب على أذكار المناسبات اليومية... الخ

 

·        في المجتمع... تزور أخا في الله بينك وبينه قطيعة، تزوره في الله لتتصالح معه في الله، فيرحمك الله بزيارته وتبتهج بأن غلبت نفسك الأمارة بالسوء، تزور رحمك، تطعم فقيرا بدعوته إلى بيتك، وكم في ذلك من تربية للأولاد.. ..  الخ

 

·        في الدعوة إلى الله... ضع هدفا أنك سوف تباشر أمر الدعوة إلى الله تعالى ولو لمرة واحدة..... الخ

 

·        .... أهداف أخرى  تخصك...

 

تحذير مهم: لابد من الكتابة... فالأهداف إن لم تكتب على ورق فهي أحلام وأماني فقط. ... فمن أول علامات الجدية في الخطة أن تجتهد في كتابتها على ورق..  اكتب خطتك المفصلة على ورق وبخط واضح وملون...

  

ثالثا: استشعر... استشعر ... استشعر من عميق قلبك ... لماذا تريد أن تنجح في اغتنام فرصة شهر رمضان..

 

   من أكبر المخاوف أنك تكتب خطة ولكن لا تنفذها على أرض الواقع... لذلك لابد أن تجلس وتستشعر نجاحك في تحقيق خطتك...   اجلس وفكر واستشعر لذة تحقيق رؤيتك .. تخيل فوزك ... ولكي يكون أثر الاستشعار عليك أكبر  عليك أن تستشعر وتتصور أيضا أنك قد فشلت في تحقيق رؤيتك... استشعر الألم..

 

 ( لن تنجح في اغتنام فرصة شهر رمضان حتى تستشعر - وأنت لم تبدأ الصيام بعد -  لذة الاغتنام وحسرة الخسران)

 

    لكي تصل إلى استشعار هذه اللذة  أو الألم، عليك أن تختلي بنفسك.. فالتفكر والاستشعار لا يمكن أن يحصل لك وأنت منهمك في دوامة الحياة، عقلك مشغول وقلبك مهموم.. عليك أن تختار مكانا هادئا.. وليس أفضل من بيوت الله... وتختار وقتا مناسبا لا تقاطعك  فيه المشاغل... اجلس وأنت هادئ ساكن.. أبدأ باسم الله واستعن به.. وضع نفسك في وضع استرخاء وابدأ في التفكر والاستشعار... ولا تقف حتى تحس بقشعريرة لذة الفوز... وحسرة ألم الفشل... كرر ذلك عدة مرات.. ولا تقطع تأملك واستشعارك حتى تصل إلى القشعريرة والحسرة.  استغرق في هذا التصور حتى تصل إلى نقطة الإشفاق، إشفاق من أن  تخذلك نفسك وتفرط في رمضان... (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ 25 قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ 26 فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ 27 إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ 28)

 

تفكر في ليلة العيد.. نهاية رمضان... هل أنت ممن أكرمه  الله بالتوفيق في هذا الشهر، فكان ممن أعتقهم الله من النيران، ممن رحمهم الله وغفر لهم، مما رزقهم الله التقوى، من نالوا الفرحتين... أم العياذ بالله ممن فاتهم كل ذلك ولم يكن حظهم إلا التعب والجوع والعطش فتقول بلسان حالك ومقالك (يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ). قال صلى الله عليه وسلم: (كمْ من صائمٍ ليس له من صومه إلا الجوع والعطش) 

 

حتى تكون مستعدا نشطا في تنفيذ خطتك لابد أن تكون قد ألهبت في قلبك نارا لا يمكن أن تنطفيء إلا بالعمل الجاد في اغتنام فرصة شهر رمضان.

 

رابعا: إسقاط الخطة على  أرض الواقع

 

      هنا نأتي لإسقاط الخطة على أرض الواقع... لابد أن نعيش الواقع ولا نهرب منه... ولكن لا نستسلم له.. فلابد من خوض معركة مع النفس ومع الواقع المحيط لتحقق ما تريد... لن  توفر لك نفسك ولا المحيط من حولك كل الظروف المواتية لأن تنجح دون عناء منك وجهد.. لابد من تطويع النفس والبيئة لما تريد...

 

1.    حدد المعوقات أو المخاطر التي قد تقف في طريقك  ... التلفاز...الإنترنت ... . العائلة... العمل .. الأصدقاء... المشاغل...

 

2.    ابحث عمن يمكن أن يعينك  في نجاحك في اغتنام شهر رمضان......وابتعد عما يلهيك ويشغلك.. أفضل ما يساعدك في رمضان هي عائلتك.. فتحدث معهم حول خطتك واشركهم فيها.... وكذلك اختار لك من إخوان الخير من يشاركك في خطتك وتكون معه على مشاركة في مسيرة شهر رمضان، تصارحه ويصارحك، وترشده ويشردك،  وإن لم يكن لمثل هذا اتخذت الأخوة، فلأي شيء يمكن أن تكون.

 

3.    ضع جدولة  يومية لخطتك مفصلة تفصيلا دقيقا على مدى الأربع والعشرين ساعة ولمدة ثلاثين يوما.

 

4.    حدد منهجية المراقبة والمحاسبة... راقب نفسك بعد كل صلاة... وحاسب نفسك قبل نومك كل ليلة ولا تفرط في ذلك أبداً.

 

خامسا: إلى العمل  بجد 

 

     لا يتصور أحد أن بلوغ الغايات العظيمة يمكن أن يتحقق بالكسل والدعة والراحة وعدم أخذ النفس بالجد وبذل الجهد الكبير.. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)

 

لولا المشقة لساد الناس كلهم...... الجود يفقر والإقدام قتّال

لا   تحسب   المجد  تمراً  أنت  آكله     لن  تبلغ المجد حتى تلعق  الصبرا

 

لذلك وجب  عليك ...

 

1.    أكثر من الاستعانة بالله تعالى وتذلل إليه واسأله  أن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين فتكون من الخاسرين... (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، ربُّ رمضان هو الله... الحنان الكريم الرحمن الرحيم، القائل (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). وكما يُقال:

 

 وإن لم يكن من الله عونٌ للفتى    فأول ما يطغى عليه اجتهادُه

 

2.       صباح كل يوم اجلس مع نفسك  دقائق معدودة.. جلسة مشارطة...  أقرأ فيها  خطتك...  واستشعر لذة  نجاحك وألم فشلك... تصور اليوم كلَّه.. كيف تستثمر كل لحظة فيه بما يحقق خطتك، ما هي المخاطر التي قد تواجهك فتشغلك عن سيرك، كن حذراً...

 

3.     اصطحب خطتك معك طوال اليوم... ضعها في السيارة،  أمامك في المكتب... علقها في بيتك... تحدث بها مع من تحب من أهلك وأصدقائك..

 

4.     أثناء النهار ... بعد كل صلاة اجلس دقائق  لتجعلها محطات متابعة  لتتبين هل أنت تسير في الاتجاه الصحيح أم لا.. بهذا يمكنك التدارك قبل فوات الأوان..

 

5.    قبل النوم... اجلس عدة دقائق كذلك للمحاسبة.... ماذا أنجزت اليوم.. كيف تصرفت مع العوائق.. كيف استثمرت الفرص... واختم جلستك بتجديد العزم لتدارك القصور والاجتهاد في المزيد. ثم فكر في الغد وضع مخططا كاملا للغد .. أين تذهب .. ماذا تعمل .. ما هي المشاغل... قال الحسن البصري (رحمة الله) : (إنّ العبـد لا يـزال بـخير مـا كـان لـه واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة من همته).. من لم يحاسب نفسه تصرمت أموره.

 

6.     اصطحب منشطات السير: الاستماع للمواعظ...القراءة عن رمضان وفضله، ... التحدث عن رمضان وفضله وكيفية اغتنامه .... استعمال المنبهات البصرية... الاجتماع على المذاكرة والتناصح مع الصالحين..

 

وتذكر (لا يتم الاستعداد للشيء إلى إذا تجدد ذكره على القلب)

  

سادسا:  وقبل رمضان.....

 

1.    الدعاء لبلوغ رمضان، قال معلى بن الفضل (رحمه الله) : (كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ! ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم !). الدعاء بأن يبلغك الله شهر رمضان وأنت في صحة وعافية وذي همّة عالية،  حتى تنشط في عبادة الله تعالى من صيام وقيام وذكر وتحقق كل ما تتمناه.

 

2.    وإن أنعم الله عليك ببلوغه فاحمد الله تعالى واشكره.. فبالشكر تزداد النعم. قال النووي – رحمه الله – في كتاب الأذكار : ( اعلم أنه يُستحب لمن تجددت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة أن يسجد شكراً لله تعالى، أو يثني بما هو أهله ) وإن من أكبر نعم الله على العبد توفيقه للطاعة والعبادة فمجرد دخول شهر رمضان على المسلم وهو في صحة جيدة هي نعمة عظيمة، تستحق الشكر والثناء على الله المنعم المتفضل بها،  فالحمد لله حمداً كثيراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .أخي: يا له من شهر مبارك .. ومن أجله (قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن ، ومن ألم فراقه تئن !) .   ولا تنس دعاء رؤية الهلال... ‏(‏اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا باليُمْنِ وَالإِيمانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ‏) ،  (هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ باللّه الَّذي خَلَقَكَ، ثَلاث مراتٍ، ثم يقول‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا‏')

 

3.    النيّة الصادقة- بالإخلاص لله في كل الأعمال: الإخلاص لله تعالى هو روح الطاعات، ومفتاح لقبول الباقيات الصالحات، وسبب لمعونة وتوفيق رب الكائنات، وعلى قدر النية والإخلاص والصدق مع الله وفي إرادة الخير تكون معونة الله لعبده المؤمن، قال ابن القيم – رحمه الله  : (وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وتعالى وإعانته ... )

 

4.     العزم الأكيد: عقد العزم الصادق على اغتنام شهر رمضان وعمارة  أوقاته بالأعمال الصالحة، فمن صدق الله صدقه وأعانه على الطاعة ويسرها له، قال الله عزّ وجل(فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)

 

5.    إنهاء أكبر قدر من المشاغل الحياتية قبل رمضان حتى لا تشغلك في رمضان.. فكر في كل المشاغل الحياتية التي قد تأخذ منك وقتا في رمضان، حاول أن تنتهي من كل ما يمكنك إنهاءه قبل رمضان حتى تتفرغ في رمضان لما يحقق أهدافك... شراء ملابس العيد.. إصلاح شيء في البيت... إصلاح السيارة... بعض الإداريات والإجراءات .. الخ.

 

يقول الإمام حسن البنا رحمه الله:

من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة، فالوقت هو الحياة

 

 إخواني الأحباب:  تذكروا أنّ:

دقائق رمضان غالية... فلا ترخصوها بالغفلة...

 

     نصيحة ختام... قد تقول لك نفسُك الآن وبعد أن قرأت هذه الرسالة.. هذا أمر معقد وصعب.. تخطيط، كتابة، تفكر... هذا أمر صعب ومعقد وما أحتاج إلى ذلك كله... الأمور أبسط من ذلك... قد تقول لك نفسك هذا.. فاعلم أخي أن النفس  قد جُبلت على  حبّ الدعة والكسل وتأنف من المشقة والكد.. وأصدقك القول بأن ما كتبتُ لك إلا صدقا  ومن تجربة وأنه الوسيلة المثلى لتحقيق الفوز بنفحات رمضان.. فنفحات رمضان عظيمة وتحتاج مني ومنك كل جد واجتهاد وأخذ بكل الأسباب.. فتوكل على الله ولا تدع وساوس الشيطان وخواطر النفس تثبطك.. استعن بالله ولا تعجز.

 

      وصلى الله على سيدنا محمد وآله  وسلم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، اشهد ان لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.

 

وأنا سائل من وجد في هذه المقالة من خير واستفاد منها أن يدع الله لي بالقبول والهداية والثبات على دينه.


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
شهر الرحمة
محمد
ليبيا
2010/7/27
2
بارك الله فيك
أم يوسف
ليبيا
2010/7/27
3
شكرا.
أبوبكر بلال الحبوني.
البيضاء ـ ليبيا.
2010/7/28
4
فعلا إنه الوسيلة المثلى
خالد الغول
كندا
2010/7/29
5
جزاك الله خيرا
فاروق
طرابلس
2010/7/29
6
لله درك ياأبا أحمد
عبداللطيف البكباك
كندا
2010/8/5
7
شهر الخير
هدى ماضي
ليبيا
2010/8/12

مقالات المنارة

أين المعسكرات؟
عادل محمد عبد الهادي الجملي


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي