د. عصام العريان : صيف ساخن.. فهل يعقبه خريف الغضب؟

د. عصام العريان : صيف ساخن.. فهل يعقبه خريف الغضب؟

02:33:48 27/7/2010

صيف ساخن.. فهل يعقبه خريف الغضب؟

 

د. عصام العريان

أقبل الصف هذا العام ومعه مناخ حار جداً في غاية الرطوبة أدّى إلى شعور عام بالكسل والإعياء، وقد وصلت درجات الحرارة إلى معدلات عالية أدّت إلى إصدار قرارات في السعودية بحظر العمل في ساعات الظهيرة إذا ارتفعت درجات الحرارة فوق المعدلات في الأماكن المكشوفة. وصاحب هذا المناخ سخونة عالية أيضاً في الأحوال السياسية، ليس في مصر وحدها، بل في كافة مناطق العالم العربي والإسلامي.

ففي مصر اشتدّ الجدل حول الاستعدادات الجارية للانتخابات البرلمانية القادمة بين مؤيد ومحبّذ لفكرة المقاطعة، وغالبهم من حركات الاحتجاج والشخصيات المستقلة غير النيابية، ومعهم رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، ومنتظر لقرارات الهيئات الرئيسية في الأحزاب والقوى السياسية التي بدأت استعدادتها انتظاراً للقرار الصعب، والجميع يبحث عن ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات، ولو في الحد الأدنى، بين قرار بقانون يصدره الرئيس مبارك أو ضغوط شعبية جادة لحماية الصناديق وعملية التصويت وإجراءات الفرز.

ومع هذا المناخ تصاعدت حملة التوقيعات على بيان البرادعي بالمطالب السبعة، الذي أيّدته القوى الوطنية، ورعته الجمعية الوطنية للتغيير، ونشطتها الإخوان المسلمون، والذي وصل خلال أسبوعين إلى أكثر من مائة ألف توقيع، بمعدل زيادة أسبوعية وصلت إلى 300% وكانت الزيادة نتيجة التواصل المباشر مع المواطنين والناشطين والحوار الجاد حول تلك المطالب التي يتعلق معظمها، إن لم يكن، كلها بنزاهة الانتخابات أصلاً.

وإذا استمر معدل الزيادة بهذه الصورة فسنصل قبل رمضان إلى رقم كبير يستحق الوقوف أمامه، للضغط على النظام من أجل الاستجابة لتلك المطالب التي أجمع عليها الجميع، حتى هؤلاء الذين لم يرحبوا بالدكتور البرادعي أو لم ينضموا إلى الجمعية الوطنية للتغيير، ثم لتفعيل الموقعين في أنشطة الجمعية التي تتوالي رغم الصعوبات والمشاكل المتوقعة.

نفس هذا المناخ الانتخابي موجود في الأردن، وإن كان بصورة أقل صخباً؛ نظراً لاستقرار الأوضاع هناك في نظام ملكي يريد البعض تحويله إلى ملكية دستورية، ويريد المعارضون تغيير النظام الانتخابي ليحقق آمال المعارضة في برلمان حقيقي يترجم الإرادة الشعبية.

المشهد السياسي الصيفي في العالم العربي ينذر بمخاضات عسيرة، ففي العراق لا زال العراقيون ينتظرون ولادة حكومة جديدة في ظل الاحتلال الذي يريد أن يحمل عصاه ويرحل هارباً من حجم الخسائر البشرية والمالية، وتاركاً العراق في فوضى عارمة، ونذر حروب أهلية، ومخاطر انقسام طائفي، بل وواقعي يسعى لتفتيت ذلك البلد العظيم، بلاد الرافدين، وحاضرة الرشيد، وعاصمة الخلافة العباسية الزاهرة.

وفي فلسطين وصلت المصالحة المرجوة إلى طريق مسدود بسبب انحياز الأطراف المؤثرة إلى جانب سلطة رام الله المنتهية ولايتها، واللاهثة وراء سراب المفاوضات، والتي نجحت في حماية أمن العدو بمطاردة المقاومين، وسحب السلاح من أيدي فصائل المقاومة جميعها، وتزداد الضغوط الأمريكية على الطرف الفلسطيني، بينما تتراجع إدارة أوباما أمام نتنياهو وحكومته المتغطرسة الفاشية، وما زال الحصار مفروضاً على قطاع غزة رغم توصل قوافل السفن التي تريد كسر الحصار، وعلى الضفة الغربية من جانب قوات الاحتلال، ورغم توتر العلاقات بين العدو الصهيوني وحكومة تركيا والاتحاد الأوروبي إلا أن الضعف العربي أو قل الانحياز العربي ضد حركة حماس وشعب غزة الذي أعلن استمرار دعمه للحركة وتأييدها هو السبب الرئيسي في تواصل الحصار لأكثر من أربعة أعوام.

وأمريكا التي تمسك بخيوط العالم تتخبط في مشكلاتها الداخلية، وحروبها الخارجية. بين أزمة تسرب النفط في خليج المكسيك، والخروج أو الهروب المنتظر من العراق وأفغانستان.

والرئيس أوباما تبخرت وعوده المعسولة، وكلماته البلاغية، أمام الواقع المرّ، بعد مرور عام على خطاب القاهرة، وهو متأرجح بين الرغبة القوية في نجاح مرشحي حزبه الديمقراطي في الانتخابات النصفية القادمة، وتجديد ولاية ثانية له، وبين الالتزام بمصداقيته أمام الناخب الأمريكي الذي فقد ثقته فيه، وتراجع تأييده له بنسب غير مسبوقة.

أوباما الذي حقق نجاحاً في بعض القضايا الداخلية الهامة، والتي سيسجلها التاريخ له، مثل مشروع الرعاية الصحية، وقوانين الإصلاح المالية، وكلاهما كانا حلماً لرؤساء سابقين، ولكن آثار تلك القوانين لن تظهر للوجود إلا بعد سنوات، هذا الرئيس فشل في قضايا الأمن القومي والأمريكي وهى الأخطر بالنسبة للمواطن المذعور، والذي نجحت إدارة بوش على مدار سنوات سبع، ومعها المحافظون الجدد، في تضخيم إحساسه بالرعب من أجل استمرار الحروب الخارجية، لذلك لم ينجح أوباما حتى الآن في وضع استراتيجية الخروج الآمن من العراق موضع التنفيذ، وتورط أكثر في إرسال آلاف الجنود إلى أفغانستان دون جدوى واضحة، وسيفشل مؤتمر المانحين كما فشلت كل الجهود السابقة؛ لأن استراتيجية بناء الأمم وفرض النموذج التغريبي الحداثي باسم الديمقراطية لن تنجح أبداً، بينما تعادي أمريكا وأوروبا الثقافة الإسلامية الأصيلة، وترفض الاعتراف بنتائج الديمقراطية المعبّرة عن إرادة الشعوب كما حدث مع 'حماس' وقبلها 'الجزائر'.

وها هو السودان يتعرض لصيف سياسي ساخن جداً بقرار جديد للمحكمة الجنائية الدولية يتهم الرئيس البشير بجرائم إبادة جماعية، في تصعيد لا يجد سنداً قانونياً، فلا جديد في دارفور يؤدي إلى ذلك، والهدف هو الوصول إلى انفصال جنوب السودان بثرواته النفطية الهائلة، وإشعال نار الحرب الأهلية من جديد.

هذا الصيف الساخن يعقبه الخريف.. فهل يكون ذلك الخريف هو خريف الغضب في مصر التي تشهد موجة عنف أهلي وجرائم غير مسبوقة؟

إذا مرت الانتخابات القادمة في مصر دون رد فعل شعبي على تزويرها ودون جهد حقيقي لمنع التزوير أصلاً فإن العواقب ستكون وخيمة.

إن الجهود التي تصاعدت احتجاجاً على مقتل الشاب السكندري 'خالد سعيد' ولا زالت تتوالى انتظاراً لمحاكمة عادلة وأحكام رادعة، يجب أن تكون حافزاً لكل الشعب المصري من إسكندرية إلى أسوان، ومن السلوم إلى رفح للضغط المتواصل لضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات، دون انتظار لأي منح حكومية أو وعود رئاسية بنزاهة الانتخابات ، فقد جربنا ذلك مراراً وكانت النتائج كما نعلمها جميعاً إن الغضب الذي بدت بوادره ضد التعذيب يجب أن يكون أشدّ وأقسى ضد التزوير، فكلا الجريمتين وجهان لعملة واحدة هي الاستبداد والفساد.

إن كل الشعب المصري وكل القوى السياسية، وكل الحركات الاحتجاجية مدعوون اليوم إلى التفكير الجدي في إجراءات عملية لحماية الانتخابات القادمة والاستعداد لما بعدها.

آن أوان الغضب الإيجابي الذي يتصاعد من أجل إجبار النخبة الفاسدة المفسدة على التراجع أمام المطالب الشعبية الحقيقية للوصول إلى تغيير حقيقي وجاد بالاحتكام إلى الشعب وحده صاحب المصلحة وصاحب الإرادة التي يجب أن يحترمها الجميع.

ليس هذا أوان التفرق أو الاستماع إلى همس مهندسي الانتخابات الذين يوزعون المقاعد النيابية بعيداً عن الشعب، لأن ذلك سيؤدى لا محالة إلى انسحاب كبير للناس من الاهتمام بالشأن العام وبذلك ينتهي -  إلى حين – الأمل في إحياء السياسة في مصر أو سيؤدى لا قدّر الله إلى انفجارات بين الحين والآخر أو جرائم غير مسبوقة في تاريخ البلد أو إلى مجهول بدت تظهر ملامحه في الاهتمامات الخارجية بمستقبل الحكم في مصر.

الله عز وجل هو الذي يقلّب الليل والنهار، وهو الذي يغيّر المناخات، وهو أيضاً الذي يدبر الأمر وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء .. سبحانه مالك الملك.

 

عن السبيل


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

مقالات المنارة

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي


اجعل العيد عيدا
محمد محمود البكوش

المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي