ذكريات من بنغازي (3) على هامش أحداث 7 أبريل 1976

ذكريات من بنغازي (3) على هامش أحداث 7 أبريل 1976

01:08:04 28/7/2010

ذكريات من بنغازي ( 3 )

على هامش أحداث 7 أبريل 1976

صادق الرقيعي

المنارة

   تركت مقاعد الدراسة بالجامعة منذ صيف 1975 ، وبعد أن حضرت الاحتفال بعيد العلم في سبتمبر من ذلك العام  ، كنت أستعد لقضاء جولة  في تركيا ضمن الطلبة الأوائل  المكرمين ذلك العام  ، ولكن قدر الله أن أصاب بحمى (التيفوئيد ) ، على إثر مأدبة تكريمية بفندق البحر المتوسط بطرابلس ، أقامتها وزارة التربية والتعليم للطلبة المتفوقين يوم الاحتفال ، فبدلا من السفر الى تركيا دخلت المستشفى المركزي بقسم الامراض السارية  ، ومكثت به مدة شهرين ، وساءت حالتي الصحية لدرجة أني حبست عن الحركة  تماما ، وكانت حرارتي تتعدى 40درجة  في بعض الايام ، حتى استعدت أسرتي لما هو أسوأ ، وهو وفاتي ، وقد طلبت احضار جواز سفري ، علي أستطيع الحركة  فأطلب من المستشفى اخلاء سبيلي ، لأسافر الى تركيا للعلاج والسياحة  ، ضمن زملائي المكرمين . لكن المدة المخصصة للسياحة هناك انقضت ولم ينقض مرضي ! والأمر الذي استغربته بعد شفائي  ، كيف استطعت أن أبقى يقظا من غير نوم لمدة خمسة عشر يوما متواصلة ! مع ارتفاع درجة حرارتي الهائل ، وعجزي عن الحركة ، مصحوبا بآلام الحمى التي لا تنقطع ؟ انها معجزة ربانية لا شك ! مع أن مثل هذه الحالة قد تودي بصاحبها الى الجنون والاصابات الدماغية ،  كما قرأت عنها فيما بعد !

   وفي الايام التي كنت أشعر فيها بخفة المرض والآلام ، كنت أزجي الوقت بين الاستماع الى الاخبار من المذياع متعدد الموجات القصيرة الذي طلبته من بيتنا ، وبين المطالعة في بعض الكتب ، كما كنت أسجل ملاحظاتي على ما أقرأ ، أو أكتب خواطري أحيانا .

   وأهم اجراء يتخذ لمعالجة هذا المرض أمران : منع المريض من الأكل تماما ، فلا يسمح له الا بشرب السوائل ، فكنت أعيش على الماء والحليب وبعض العصائر ، بالإضافة الى سوائل التغذية التي آخذها عن طريق الوريد ، وقد أحصيت مجموع أكياس سوائل التغذية الوريدية التي تناولتها ، فكان مائة كيس !! بالإضافة الى خمسة أكياس من الدم . والاجراء الثاني للعلاج ، هو تخفيض درجة الحرارة على الدوام ، عن طريق الكمادات الباردة ، وحقن (النوفلجين) ، فكنت أضع أكياس الماء المجلد تحت رأسي وظهري ، ولا أستطيع الاستغناء عنها حتى تذيبها حرارة جسمي وتصيرها ماء دافئا في حرارة 40-41درجة مئوية ! وكنت أقسم فراشي نصفين طوليا ، أرقد على نصفه لمدة دقيقة أو دقيقتين ، ثم أتزحزح عنه الى النصف الثاني ، بينما أبرد هذا النصف بمروحة يدوية أحركها بيدي !

   وبعد شهرين شفاني الله من هذا المرض النادر ، حيث لم يكن معي من يقاسي منه بالمستشفى الا اثنين آخرين ، فغادرت غرفتي بعد أن فقدت ثلث وزني ، وكان ذلك في نوفمبر 1975، والحمد لله أولا وأخيرا ، أحمده على الصحة كما أحمده على المرض الذي يخفف به من ذنوب عباده .

   وقررت أن أقضي مدة نقاهتي من المرض في مدينتي الحبيبة  ، ( رباية الذايح ) بنغازي ، فقصدتها وأمضيت بها ما يقرب من الشهر ، حتى عوضت ما فقدته من وزني ، بل زدت عليه ثلاثة كيلو غرامات !

   وفوجئت ذات يوم بوصول برقية من أمانة رئاسة مجلس الوزراء ، وقد أصابني التعجب من وصول هذه البرقية باسمي ، مرسلة إلي من أعلى ادارة من ادارات الدولة ، ولم أعرف سبب ارسالها إلي ، ولم تزد الكلمات التي حوتها على العبارة التالية : نرجو حضورك في أسرع وقت لأمر يهمك . التوقيع : الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء . لقد تعلقت هذه البرقية بأمر تعييني موظفا بهذه الأمانة – كما عرفت فيما بعد – وكان وراء هذا التعيين بعض أصدقائي الذين سبقوني في العام الماضي الى هذه الادارة ، وكنت سمعت وأنا طريح الفراش بالمستشفى أنني عينت كمدرس بوزارة التعليم ، ولكن لم يكن ما سمعت خبرا صحيحا .

   وعندما أخذت التاكسي من (جليانة ) حيث كنت أقيم ، متوجها الى مطار بنينة ، للسفر الى طرابلس في آخر نوفمبر 1975، مررت بجانب (الكاتدرائية) ومبنى اتحاد المنتجين ( مقر الاتحاد الاشتراكي العربي* سابقا ) الواقع قرب فندق ( البرينيتشي ) رأيت منظرا عجيبا لم أره منذ انتفاضة الطلاب يومي13 و14 يناير1964 ..رأيت جموعا كبيرة من الشباب الصغار في عمر المرحلة الثانوية والاعدادية ، يعيثون تخريبا واحراقا في مبنيي الكاتدرائية  والاتحاد الاشتراكي (سابقا) ، والدخان يتصاعد الى عنان السماء !!

   ولا أذكر تسلسل الأحداث الآن في الصراع الذي كان دائرا بين السلطة والطلاب في الجامعة ، فقد شغلني مرضي وأعجزني عن متابعة الاحداث الدراماتيكية التي كانت تجري بجامعتي بنغازي وطرابلس ، وقد أثرت مغادرتي للجامعة منذ يوليو من ذلك العام على اطلاعي على دقائق الاحداث ، فما أرويه هنا هو ما رأيته بعيني لا ما سمعته من الآخرين ، وهو شهادة مراقب من بعيد ، لم يدخل في معمعة الاحداث ، وهي شهادة لا غناء فيها للباحث المتقصي .

   وكل ما أذكره الآن أن صراعا دار بين الطلاب الجامعيين بزعامة اتحادهم ، والسلطة منذ عام 1974 ، استعملت فيه النشرات والصحف الطلابية السريعة والمتزايدة ، ثم تطور الأمر الى الكتابة والرسوم الساخرة المعلقة على جدران مباني الجامعة .

   وكانت السلطات تحاول السيطرة على الاتحاد الطلابي عن طريق الطلبة الموالين لها ، وكان معظمهم من بقايا ( منظمة الطلبة الوحدويين الناصريين ) ، أولئك الذين جمعهم حب التسلق للحصول على المناصب  ، كما جمعهم الحب العاطفي لعبدالناصر ، والكراهية العمياء للإسلاميين أعداء عبدالناصر التاريخيين ، كما كان بعضهم من عناصر الأمن المندسين في الوسط الطلابي ، وكان هؤلاء وأولئك معروفين ومكشوفين للطلاب . وكانت قيادة الاتحاد  بيد عناصر وطنية ويسارية ، أما الاسلاميون فقد فضلوا عدم اقحام أنفسهم في هذا الصراع السافر مع السلطة ، عدا طالب واحد من مصراته ، لم يكن له انتماء واضح للتيار الاسلامي ( الاخوان المسلمون  وحزب التحرير ) .

   وفي ربيع 1976 وفي يوم 7 أبريل بالذات ، استطاعت السلطة أن تسيطر على القوى الطلابية في جامعتي طرابلس وبنغازي ، باستعمال القوة المسلحة ، بعد مظاهرات واعتصامات  ، قام بها الطلاب داخل الجامعتين وخارجهما  . وفي بنغازي اقتحمت عناصر مسلحة من قوات الأمن متخفية باللباس المدني ، حرم الجامعة ، بإرشاد من المخبرين في الوسط الطلابي ، وأطلقت الرصاص على القيادات الطلابية ، وأحرقت بعض مكاتب الجامعة التي احتمت بها هذه القيادات ، وأصابت بعضهم بجراح بالغة ، ثم اعتقلت قيادات الاتحاد ، وزجت بهم في معسكر مقابل للجامعة ، سمي فيما بعد (معسكر 7أبريل) ، ليتم تعذيبهم والتحقيق معهم هناك ، واتهامهم بأنهم يخدمون (أجندات ) معادية ، وسجلت عليهم أقوال واعترافات تحت التعذيب ، ثم أذيعت على الطلبة في الجامعة فيما بعد ، للتدليل بأن قيادات اتحادهم من الرجعيين ، والقوى المعادية للوطن والثورة !! وأنهم عملاء للقوى الأجنبية المعادية لليبيا !

   وعندما أفرج عني (**) وآخرين في 3-3-1988 فيما عرف –فيما بعد- بأصبح الصبح ، التقيت في السجن زميلا لي كان ضمن قيادة الاتحاد لبضع دقائق ، ولم يكن لنا متسع لاستعراض قصة 7أبريل ، ولعلي ألتقيه في المستقبل القريب ، لبحث هذا الأمر والاحاطة بهذا الحدث بالتفصيل ، لأروي لكم  عن أحداث 7أبريل – القصة الكاملة ، وللرد عما صرح به بعض الثوريين من (الأبريليين) من ادعاءات ومعلومات  مغلوطة عن هذه الاحداث .

______________________________________

* لقد احرق مبنى الاتحاد الاشتراكي من قبل بفعل مظاهرة شعبية في مارس 1973 طالت المركز الثقافي المصري أيضا إثر اسقاط اليهود لطائرة مدنية ليبية فوق سيناء ، كان ضمن ركابها الاستاذ صالح بويصير وشخصيات ليبية محترمة أخرى ، وكانت المظاهرة احتجاجا على السلطات المصرية ، كيف تسمح بضرب الطائرة فوق أراضيها ، تواطؤا مع اليهود أو اهمالا ، حتى ضلت الطائرة طريقها الى سيناء المحتلة آنئذ ،بدلا من ارشادها الى مطار القاهرة الذي كانت تقصده .

**  لم يكن اعتقالي وسجني لعلاقتي بأحداث 7أبريل 76 ولكن لاتهامي بالانتساب الى (تنظيم ديني محظور) ، اختلقته اللجان الثورية لنا ، التي تولى بعض أعضائها التحقيق معنا - تحت التعذيب – ونسيت ان تختلق لهذا التنظيم المزعوم اسما . وقد قضت ( المحكمة الثورية الدائمة ) علي ب(العزل) لمدة 8 سنوات . ولسرد قصة السجن هذه سطرت ذكريات داخل السجن ثم أتممت كتابتها بعد الافراج عني ، وسأنشرها بعون الله في (المنارة للأعلام) ، في الأسابيع القادمة ، تحت عنوان ( السنوات العجاف – ذكريات سجين سياسي ) .

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
استمر ياخي
حفيد المختار
دولة الحقراء
2010/7/29

مقالات المنارة

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي


اجعل العيد عيدا
محمد محمود البكوش

المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي