كن مجنونا بدولة الجماهير ليفهموك ولا تكن عاقلا فيشتموك

كن مجنونا بدولة الجماهير ليفهموك ولا تكن عاقلا فيشتموك

04:34:41 30/7/2010

 

كن مجنونا بدولة الجماهير ليفهموك ولا تكن عاقلا فيشتموك!

 

سألني ذات مرة صديق عن رأيي في الدول الأوربية المتقدمة فقلت له بأنها متحضرة بكل ما للكلمة من معنى، وهي كما شاهدتها بلاد نظيفة والحياة فيها راقية وشعوبها تحب العمل وتقدسه، وبها تطور في جميع المجالات من صناعة، وزراعة، وصحة، وعلوم، وثقافة، ورياضة، وبنية تحتية، وحين تكون هناك لا يمكنك إلا أن تنظر بتعجب لما يحدث حولك وكأنك تعيش على كوكب آخر غير كوكب الأرض، وهي بلاد بها القوانين التي تسري على جميع مواطنيها الذين هم متساوون في الحق والواجب، والناس هناك يحترمون حقق الإنسان والحيوان والطبيعة، ويصدقون المواعيد، ويتفانون في أداء العمل، وأراهم يصلون إلى حد الإبداع في كل ما يفعلونه، واعتقد بأن كل ما قلته لصديقي به شيء من الحقيقة إن لم تكن الحقيقة الكاملة، فأنا منبهر بالغرب وبحضارته واعذروني في هذا يا سادتي، وانبهاري له أسبابه التي أراها أينما ذهبت وحيثما تجولت، فالمنتجات ذات الجودة العالية والصناعة المتناهية الدقة تأتي من هناك، ومن منا من لا يحب اقتناء هذه المنتجات، ألا يتجلى هذا واقعًا في عشقنا للملابس الإيطالية، والعطور الباريسية، والسيارات الألمانية، والأجبان السويسرية، هل فينا من لا يفضل أي مما ذكرت وغيره الكثير مما تحب وتشتهي الأنفس، هل فينا من لا يأمل أن يذهب لزيارة هذه البلاد والتمتع بالنظر إلى ما فيها من مناظر سياحية، ومنشآت ترفيهية، ومرافق سكنية.

 

وكلنا حلمنا بأن نعيش هناك ولو لبعض الوقت سواء أكان للدراسة أم للعمل أم تحت أي مسمى، هناك حيث ننال نصيبًا ولو يسيرًا من علمهم وحضارتهم ورقيهم وثقافتهم، ونشعر ولو قليلا بما يشعرون به من عدل وحرية وكرامة، لا شك في أن بعضكم سوف يقف في وجهي لكلماتي هذه وسيتهمني بخيانة الوطن والمواطن، ويتوعدني بحرب أنا ومن في حكمي بحرب تبدأ ولا تنتهي إلا بحرقنا وحرق كل أفكارنا الرجعية المتعفنة، ولكن أقول ألستم معي أخوتي في أن المغتربين من تونس والجزائر والمغرب يعيشون حياة كريمة في بعض الدول الأوربية هي على الأقل أفضل من حياتهم في بلدانهم، أليست هذه حقيقة، أنظر إلى أولئك المغتربين ستجد من بينهم من هم من أرقى الطبقات في أوروبا فستجد من الأطباء والمحامين والمهندسين وذوي الشأن في جميع المجالات، وكل حسب عطائه ومقدرته استطاع أن يتخذ له مكانًا هناك، بل ومنهم من تفوق في المنزلة حتى على مواطني تلك الدول بفضل عمله وإبداعه وتألقه في هذا المجال أو ذاك، ولأن ما قلته حقيقة تشاهدونه أمام عيونكم فعذرًا لأني لست بخائن، ولكن هذا ما أراه واضحًا، فلا ضغائن بيننا يا سادة هذا البلد الكرام، ولكن حاولوا ولو لبرهة أن تشاركوني النظر بذات العيون، ولو من باب الفضول، ولا تتهموني بكوني جبان لعدم كتابتي اسمي الحقيقي أمام مقالتي، فأنا هنا لا أقدم نفسي إنما فكري وآرائي التي أراها أكثر صدقًا من اسمي، وفكري هذا قد يشاركني فيه الكثير منكم لذا فهو ليس ملكي إنما أتحدث باسم بعضكم ممن يروق لهم الحديث.

 

وبالعودة إلى ما كان الحديث فيه، وعن سؤال صديقي وإعجابي بالحضارة أينما كانت، ومتى حلت، فحين كانت حضارة الفراعنة منذ 4000 عام مضت انبهر بها العالم ولا يزال، وتلتها حضارات سادت ثم بادت إلا أنها لم تختفي من ذاكرة التاريخ، وكما كان الغرب تعجبه حضارة بلاد المسلمين وعلومهم وفنهم وأدبهم، فأنا الآن تعجبني حضارة الأوربيين برقيهم وتقدمهم، وأنظر لها بإعجاب، وقد لا يعجبني الغرب الحاقد على العرب، ولكن ما يعجبني هو ما وصل إليه الغرب، وكما كانت حكاية الإعجاب بين قراتسياني وعمر المختار فهما عدوان في ساحة الحرب، ولكنه لم يخفي انبهاره به حين وصفه بالعدو الشهم.

 

وأتساءل عن الكيفية التي وصل بها هذا العدو الشهم وأقصد هنا 'الدول الأوربية ومن في حكمها' أجد أن الإجابة سهلة يسيرة أوردها لكم في سطور، فهي دول تحكمها القوانين ولا يحكمها الرؤساء ولا الوزراء، وأيضًا لا يحكمها المزاج، والفرق بينها وبين الدول العربية أنها دول تشتهر بأسمائها في حين أن الدول العربية تشتهر بأسماء رؤسائها، فالديمقراطية عندهم لها قوانينها التي تقول بأن الرئيس ينبغي أن يرشح من قبل غالية المواطنين بنظام الاقتراع، ومع كل هذا فله فترة محدودة يعتلي فيها الحكم وليس مدى الحياة، ثم أنه ليس مخول له كونه رئيس باتخاذ القرارات بطريقة المزاج وتوارد الخواطر، فهو مسير من قبل قوانين تحكمه يعمل في نطاقها ولا يحيد عليها قيد أنملة، وهو يحاسب إن أخطأ كأي مواطن آخر، إذن فالرئيس في العالم المتقدم لا يتمتع بمنتهى السلطة والنفوذ، وهو يعرف في داخله بأنه سيأتي يومًا قريب غير بعيد سيترك فيه حكم البلاد لشخص غيره يكمل المسيرة، فلا رئيس يبقى إلى الأبد، وإنما الذي يبقى هو الوطن الذي ينبغي بناءه والوصول بمواطنيه إلى أفضل حال ممكن من استقرار وكرامة مواطنيه.

 

في حين أن دولنا العربية المتأخرة يحكمها رؤساء أو ملوك أو سلاطين أو أمراء ويستمر حكمهم لها مدى الحياة، تصوروا معي أن فكرة الحكم مدى الحياة بالنسبة للعالم المتقدم هي في حد ذاتها فكرة تدعو للضحك، لأن هذا الحاكم الذي سيظل حياته كلها يحكمنا وإن كان حين قدومه في البداية غرضه النزاهة في حكمنا ورفع الظلم عنا، لكنه وباستمرار حكمه على مر السنين سوف يتغير نمط حياته، فهو سيحكم البلاد حكمًا مطلقًا فوق كل القوانين التي وضعها البشر أو حتى القوانين التي وضعتها الطبيعة، وإنما سيحكم بالمزاج وسيدعي المعرفة في كل شيء والإفتاء في كل أمر، والتوجيه في كل شأن، وسوف لن هناك رأي بغير رأيه، وكأنه لا ينطق على الهوى، فكلماته كلها قوانين وإن جاءت متناقضة فينبغي للقوانين أن تطاوعها لتكون متناقضة أيضًا، فهو الآمر الناهي في كل صغيرة أو كبيرة، وما على الذين من حوله إلا تطبيق أوامره والتصفيق له، لأنه بيده أمرهم وأمر وحياة جميع الرعية، ولكي يحافظ على مكانه في الحكم فهو بدل أن ينفق وقته في رعاية أمور البلاد والعباد ينفقه في التفكير والعمل على بقائه حيث هو، ولأنه ليس لديه الحق في الحكم مدى الحياة ستجده يرتكب الأخطاء تلو الأخطاء، وتجد الرعية تكتشف مدى ظلمه وعنجهيته يوم بعد يوم وبتقدمه في العمر ستسير البلاد يحكمها الفساد من سيء إلى أسوأ وسيكون الشغل الشاغل والهاجس الأوحد له أمنه وأمانه وكرسيه وصولجانه، ولهذه الغاية يكون كل شيء مباح، ولهذا غالبًا ما يكون الثمن هو دمار للبلاد، وفساد أخلاق العباد، وانتشار المرض والجهل والتخلف والجريمة، ومعه يستحيل وجود حضارة ولا تقدم ولا علم ولو بعد آلف عام.

 

إذن فالحل بالنسبة لنا شئنا أم أبينا سوف لن يكون إلا الحياة بالطريقة الغربية والأوربية، والديمقراطية بالطريقة الغربية هي الحل الأمثل والرأي السديد مع تكيفها مع دينينا وعقائدنا لكي نتمكن -بعد مائة سنة ربما- من وضع خطوة صحيحة على الطريق السوي، والرأي بخلاف ذلك سوف لن يكون إلا كمن يتدحرج إلى الهاوية.

 

فتلك العقول التي ساهمت في كل ما يتمتع به العالم الآن من إبداع في مختلف المجالات، إبداع نقف أمامه مشدوهين حائرين لا نستوعبه ولا نطمح بالوصول إليه، أكثر قدرة على إيجاد طريقة لحكم بلادها منا نحن وقد عشنا وسط الخيام والجمال، فنحن متخلفون بمراحل عن العالم الحقيقي، فخذوا الحقيقة من أفواه المجانين، وابدءوا بالعمل على هذا ولا تكثروا الكلام لأنه لو كان لكثرة الكلام فائدة لتربع العربي على قمم الدنيا، فلنفكر كثيرًا ولنعمل في صمت من أجل لحظة وعي كهذه.

 

معلم الحبـــــــــــــــــل


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
السلام عليكم
عربي
ارض الله
2010/7/30
2
كلامك على الجرح
ليبى
ليبيا المسكينة
2010/7/30
3
مقال صحيح
احمد
اوروبا
2010/7/30
4
سحقا
ليبي
ليبيا
2010/7/30
5
I agree with you
Ali
USA
2010/7/31
6
I agree with you
ALI
USA
2010/7/31
7
تعليق
مسلم
ليبيا
2010/7/31
8
الاي اخي مسلم لعلك لو تقراء هذه انها بالمقال
كاتب المقال المسلم طبعا
ليبيا
2010/7/31
9
to #7
libya
libya
2010/7/31
10
كلام صح
واحد ماشي
ليبيا
2010/8/1
11
الى رقم 7 ورقم 10
ليبي
ليبيا
2010/8/2
12
بارك الله في الاخ رقم 7
نهـــــــتال
طرابلس -امريكا
2010/8/2
13
رد على رقم 10 وغيره
مسلم
ليبيا
2010/8/2
14
خاص بالرقم 10
مسلم
ليبيا
2010/8/2

مقالات المنارة

أين المعسكرات؟
عادل محمد عبد الهادي الجملي


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي