رجل من القمة

رجل من القمة

04:18:06 1/5/2007

  بقلم : سعيد العريبي

AL_ORIBI@YAHOO.COM

 

المنارة – 2/5/2007

 

 

أي شرف عظيم كان له .. وأية منزلة رفيعة تلك التي سما إليها .. بعدما كان فقيرا معدما ليس له من حطام الدنيا ما يقيم به أوده ، أو يؤمن له حياة كريمة .

كان فقيرا ككل الفقراء المعوزين .. لكنه من تعففه و كرامة نفسه ، كان سيدا في أسمال بالية .. أي نوع من الرجال هو .. وأي شرف عظيم ذلك الذي ناله وحققه .. وأي أمل كان يراود الكثير من الصحابة فكان له .

 

ذلك هو المقداد بن عمرو .. سابع من اسلم ، دونما تردد أو خوف .. يوم أن صمم المشركون على أن يقتلوا الإسلام في المهد .. وتوعدوا بالويل والثبور، لكل مجاهر باعتناقه .. غير أن شجاعة قلبه وصلابة إرادته وصدق إيمانه ، كانت جميعها أكبر حافز له على ألا يتردد ، أو يتوانى في إعلان إسلامه  .. متحديا بذلك صلف المشركين وتعنتهم وجبروتهم .

 

هذا هو المقداد بن عمرو أو ' المقداد بن الأسود ' كما كان يعرف قبل أن يحرم الله الانتساب لغير الأب .. فنسب لأبيه ' عمرو بن سعد ' ..  كان مقداما لا يعرف التريث إلا في الحق .. وبطلا لا يعرف التخاذل أو الجبن إلى قلبه طريقا.. فكيف أصبح بعد إسلامه .. وقد صار له الموت وسيلة وأمنية ، تتحقق له به الأمنيات و وتنال به الرغبات .

 

المقداد بن عمرو ، الصحابي الجليل  .. الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. حينما استشار الصحابة في قتال المشركين يوم بدر .. أشار عليه برأيه السديد الصائب الذي ينم عن حكمته وشجاعته وإخلاصه .. ذلك الرأي الفاصل الذي أيده الرسول ووافق استحسان صحبه الكرام :

 

' يا رسول الله : امض لما أراك الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ها هنا قاعدون .. بل نقول لك ، اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون .. والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه ، حتى تبلغه ولنقاتلن عن يمينك وعن شمالك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، حتى يفتح الله لك '

 

كان للمقداد في ميدان الشرف مواقف مشرفة .. ومع البطولة وقفات أبطال يعجز البيان عن مجاراتها .. كيف لا .. وكان كما عرف عنه : ' أول من عدا به فرسه في سبيل الله ' وبدر كان :  ' ثالث ثلاثة فرسان يمتطون الجياد ' .. ويومها نال من الشرف ما كان غاية الأمل والرجاء لكل الصحابة .. وفي هذا يقول عبد الله بن مسعود :

 

' لقد شهدت من المقداد مشهدا ،  لأن أكون صاحبه

أحب إلي مما في الأرض جميعا ' .

 

بهذه العزيمة الصادقة والإرادة الصلبة ، التي تتحدى المستحيل وتستسهل الصعب .. كان يرتقي سلم المجد والشرف .. وبهذا الإيمان الصادق كان يشق طريق حياته مكثرا من ترديد قسمه البار :

' لأموتن والإسلام عزيز ' .

كان متواضعا على رفعة مكانته .. بسيطا على سمو همته .. صادقا مع نفسه والآخرين .. نستشف كل هذا من سؤال سأله إياه رسول الله علية الصلاة والسلام :

كيف وجدت الإمارة .. ؟ أجاب :

' لقد جعلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس وهم جميعا دوني ،

والذي بعثك بالحق لا أتأمرن على إثنين بعد اليوم أبدا ' .

 

عاش المقداد شريفا كريما شجاعا ومؤمنا كامل الإيمان .. لا يخالط إيمانه طمع ولا يشوبه رياء .. فكان لنا بعد مماته ، منارا يهتدي به كل من أراد أن يعود لحظيرة دينه .. ويشق طريق المجد والشرف في الحياة الدنيا .. أو أراد أن يؤمن لنفسه جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمؤمنين .

 

وأخيرا يجدر بنا - أخي القارئ -  أن نشير إلى وسام الشرف الذي ناله المقداد نظير حياته الحافلة بالجهاد والبطولات .. فقد روي عن رسولنا الكريم .. ما يؤكد لنا سمو تلك الدرجة السامقة التي نالها وتلك المكانة الرفيعة التي تبوأها .. حيث قال له صلى الله عليه وسلم : ' إن الله أمرني بحبك وأنبأني أنه يحبك ' .. وحسبه شرفا أن يكون الله تعالى حبيبا له .. وحسبه رفعة أن يكون سيد البشر مأمورا بحبه .

 

هذا هو المقداد بن عمرو .. الذي عاش شجاعا وبطلا ، ومؤمنا كامل الإيمان .. ليسطر لنا في سجل المجد والشرف ما جعله بكل الفخر حبيبا لله وللرسول .. فأي مجد يرتجى أو شرف ينتظر بعد هذا .. ؟  وأية قمة سامقة يمكن للمرء أن يطالها .. بعد هذه القمة التي سما إليها .

 

 

اقرأ ايضا للكاتب


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
----------------------
مغترب
ايرلندا
2007/5/2
2
دمتم كاتبنا المحترم
سعيد الجطلاوي
سويسرا
2007/5/2
3
دعاء
عبدالرزاق سرقن
سويسرا
2007/5/4

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي