مناظرة بين حمارين *
07:21:54 11/5/2007

بقلم : سعيد العريبي
المنارة – 11/5/2007
في إحدى حدائق الحيوان ، تقابل حماران ، حمار بلدي وآخر وحشي .. فدار بينهما الحوار التالي :
الحمار البلدي : أنت أيها الحمار المخطط .. ما اسمك .
- اسمي حمار وحشي .
- حمار وحشي .. وأين تعيش .. ؟
- أعيش في الغابات والبراري الشاسعة .
- حسننا .. هل سمعت عني من قبل .
- نعم كثيرا .. كثيرا جدا .
- لا شك في ذلك .. نعم أنا حمار مشهور .. مشهور جدا .
- لم أسمع عنك أنت بالذات .. بل عن حمير تعيش في المدن .. وأعتقد أنك واحد منها .
- نعم صدقت ، العبد لله ولا فخر ' احمير بلاد ' .. ولكن كيف عرفت ذلك .
- لأن الحمار البلدي .. يختلف عنا كثيرا .. ومن خلال مشاهدتي لكم هنا ، داخل هذا السجن الحيواني الكبير .. أستطيع أن أجزم لك أننا مختلفون تماما .
- مختلفون !!! .. في أي شىء كان ذاك الاختلاف .. ؟
- في الشكل .. في العادات .. وفي الطباع أيضا .
- أما الشكل .. فلا يهمني في شيء .. فكلنا حمير الله .. ولكن حدثني عن العادات والطباع .
- أنتم تفضلون العيش مع البشر .. أم نحن فلا .
- نعم هذا صحيح .. فنحن مدنيون بطبعنا .. ونحب العيش في المدن .. ثم إن الله خلقنا لنعيش مع البشر .. والبشر بطبيعتهم يعشون في المدن .
- لا ليس الأمر كذلك .. أنتم مجرد حمير مستعبدة .. استعبدها الإنسان من قديم الزمان .
- وأنتم مجرد حمير ' بدوية ' أعني برية .. لا تفقه من أمور المدنية والحضارة شيئا .
- وأنتم مطيعون .. مطيعون حتى الموت .. ولا يمكن لكم مخالفة أوامر أسيادكم .
- بل نحن متمدنون .. ونحب إطاعة الأوامر التي تحض على العمل .
- أنتم تحبون السير في الخط المستقيم .. الذي يحدده لكم رب العمل .
- نعم نحن نحب ذلك لأننا لا نحب الطرق الملتوية .. أعني أننا واضحون .
- أنتم حمير مستعبده .. والعبد بطبيعته يسير في الاتجاه الذي يحدده سيده .
- وأنتم أيضا تركضون مرغمين أمام الحيوانات المفترسة .. نعم مرغمين تركضون إلى حتفكم .. هل هذه حياة .. !! ؟ تقضون جل حياتكم تركضون وبلا توقف .. أليس هذا غباء مطلق .
- نعم نركض .. ولكن لإنقاذ أنفسنا .. أما أنتم فتركضون لأسيادكم .. فقط من أجل فتات موائده التي يجود بها عليكم آخر النهار .
- أنتم وكما يقال عنكم في نوادينا .. جاهلون ومتعجرفون .. لا تحبون أحدا ولا يحبكم أحد .. ورؤوسكم مليئة بالغباء والعناد .. والدليل على ذلك أنكم تفضلون حياة الشقاء التي تعيشونها .. على حياة الدعة والراحة التي نعيشها نحن .
- نعم .. نحن لا نحب من يستعبدنا ولا يحبنا .. لأننا لسنا طوع أمره .
- بل يكرهونكم لأنكم ' حمير بدوية ' .. لا تألف البشر ولا يألفونها .
- اسمع أيها الحمار ' الأشهب ' .. لا تعيرني بذلك .. واعلم أنه لا فرق بين حمار وآخر إلا بكثرة النهيق الخارج عن المألوف .
- ماذا تقصد بذلك .. ؟
- اقصد أنكم أكثر نهيقا منا .. وبالذات عندما تكونون في حضرة الأسياد .. وهذا راجع إلى أنكم - وكما قلت لك ' حمير مستعبدة ' تعودت الذل والقهر .. وتنازلت عن حريتها .. مقابل ما يقدم لها من طعام .
- لا ليس الأمر كذلك .. يبدو أنك لم تعرف بعد من أنا .
- أنت كما أخبرتني ' احمير بلاد ' .. حمار' ساده ' لا شكل له ولا وزن .
- حمار ' ساده ' ماذا تقصد بذلك .
- اقصد أنك حمار بلا خطوط .. لماذا خلقك الله هكذا بلا خطوط .
- ولماذا خلقك الله بهذه الخطوط التي تذكرني برب العمل الذي كنت عنده .
- الحمد لله أنها تذكرك بسيدك .. قلتها أنت .. أنا إذن أذكرك بسيدك .
- أعني تذكرني .. بلباس مخطط يلبسه عندما يكون في البيت .. اسمه ' بيجاما ' .
- أتعرف لماذا خلقكم الله هكذا : سادة ' بلا خطوط .. لأنه سبحانة يعرف أنكم ' حمير بلاد ' ولو خلقكم بخطوط مثلنا .. لاختلط الأمر على الناس ، ولم يعرف الحمار من سيده .. وطالما أن سيدك له خطوط كما تقول .. فمن المنطقي أن تكون أنت بلا خطوط .. هذا كل ما في الأمر .
- المكانة لا تكتسب بالشكل أو بالخطوط .. نحن لا نقيم للمظاهر أي وزن .. المكانة تنال بالجهد والعرق والعمل .
- اسمع أيها الحمار الأشهب .. الخطوط عند البشر لها قيمة .. وكلما كثرت الخطوط صارت القيمة أكبر .. أليس الفرق بين ' الشاويش ' والجندي الأول بعدد الخطوط التي يحملها على ظهره .. وطالما أن الله قد خلقك هكذا ، أشهب مثل الفار .. فلا قيمة لك .
- لا قيمة لي .. !!!
- نعم .. إلا إذا بذلت الكثير من الجهد والعرق .. كي تنال رضي سيدك .. ربما لهذا السبب بالذات يكره البشر الفئران ' السادة ' ويحبون القطط المخططة .
- وأنتم لمن تبذلون جهودكم .. ؟
- نبذل الجهد والعرق لأنفسنا .. وفي أحيان كثيرة نقطع البراري الشاسعة .. طولا وعرضا فقط لإنقاذ أنفسنا .. وشعارنا في الحياة إما أن ننتصر لأنفسنا أو نموت.
- ولماذا كل هذا التعب .. لماذا لا تعيشوا مثلنا في المدن وتريحوا أنفسكم من كل هذا العناء الذي لا طائل من ورائه .
- نحن نكره المدن ونعشق البراري والغابات الشاسعة .. ولا نساوم على حريتنا ولا نتنازل عنها إلا إذا هزمنا .. أعني إلا إذا كنا مرغمين على ذلك .
- أرى أن حياتك قصيرة ولا قيمة لها .. أيها الحمار البري .
- نعم قصيرة .. ولكن لها طعم آخر .. لا تعرفه لأنك لم تجربه .. هل ذقت طعم الحرية من قبل .
- الحرية .. وما طعم الحرية .. ؟ هل هو مثل طعم الشعير .. ؟
- طعم الشعير .. !!! كنت أعتقد أنك حمار أشهب وحسب .. أما الآن فقط تبين لي أنك حمار وأحمق أيضا ، الحرية يا حمار المدينة .. شيء لا يمكن وصفه .. الحرية لا يعرفها إلا الذي عاشها .
- وكيف يعيشونها .. ؟
- أن تعمل لنفسك وتركض لنفسك .. وتتمرد على سيدك .. وإن جوعك وعذبك وهددك بالقتل .
- أتمرد على سيدي وإن جوعني وعذبني وهددني بالقتل .. !!!
- نعم .. أيها الحمار الأشهب .. الحرية هي : أن تعيش حرا أو تموت .
- هذه هي الحرية إذن .. !!! جوع وعذاب وموت .. أنا أكره الموت ولا أحتمل العذاب أو الجوع ..
أنا لست لها .. أنا حمار ' سادة ' بلا خطوط .. أعني بلا رتب وبلا قيمة تذكر .
- إذا أردت أن تكون لك قيمة فــ ...
- ' دور جماعتك ' أيها الحمار المخطط ... ولا تذكر لأحد أنا التقينا ذات يوم .
- وهو كذلك .. يا صديقي الأشهب .. لن أذكر ذلك لأحد .
- أشكرك .. مع السلامة .
هامش :
ـــــــــــــــــــ
* ' هذه المناظرة خيال محض لا علاقة له بالواقع .. لذا آمل من أنصار الحمارين ..
ألا يخرجوها عن سياقها الخيالي إلى تأويلات جامدة لا يحتملها الرمز '
اقرأ ايضا للكاتب
الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
| 1 | 2007/5/11 |
| 2 | 2007/5/11 |
| 3 | 2007/5/11 |
رائع بكل مافي المعني من كلمة كاتب يجعل كلماته تعبر عن مضمون حقيقي وفعال .
احترم رؤيتك دائما .
اخوك .
عبدالقادر الدرسي ..
| 4 | 2007/5/11 |
| 5 | 2007/5/12 |
نريد الحقيقة كتابات مباشرة وموضوعية تعالج قضايا الوطن بشكل واضح ومباشر حتى يفهم المواطن دوره ويزداد الوعي ، أما الكتابات الرمزية ذات الطابع الأدبي فأري أن ليس هذا مكانهاوإنما مجلات الأدب ، لذا نتمنى من الأستاذ العريبي أن يعود الى خط كتاباته الأول ، نقل معاناة الناس ويترك هذا اللون الغير مفيد وشكرا
مجرد رأيى إقبله أو ارم به عرض الحائط
| 6 | 2007/5/12 |
لكن حدث شئ - على ما اذكر - وقع ايامها في سوق الحمير في اجدابيا قلب السوق رأسا على عقب وهو أن الحمير التي تجر العربات ( الكروسات ) ذات العجلتين قامت بتظاهرة ( حميرية ) عارمة إرتفعت فيها اصواتها بصخب عجيب هز اركان المجتمع التقليدي حيث احتجت فيها جماهير الحمير على إستعمالهن في جر عربة ذات عجلتين بينما حمير أخرى تجر عربة ذات اربعة عجلات !!؟؟ وايامها ظننا أن سبب الإحتجاج منصب على عدد العجلات ! .. يعني من باب المظاهر فقط أي من باب ( أيش معني عندهم وليس عندنا )!!؟؟ ولكن اتضح ان السبب غير ذلك فالحمير التي تجر عربات ذات عجلتين تبذل جهدا أكبر وتتعب أكثر فهي من ناحية تبذل جهدا لرفع العربة وجهد آخر للجر فهي من ناحية تقوم مقام العجلتين الناقصتين من اجل رفع العربة ومن ناحية أخرى تقوم بجهد الجر خصوصا مع لذعات سياط السادة !! .. بينما العربات ذات الأربع عجلات لا تحتاج الحمير فيها الى بذل أي جهد يـُذكر لرفع العربة لأن العربة ( الكروسة ) مرفوعة على أربع عجلات أصلا ً مما يعني أنها ستبذل جهدها في عملية الجر فقط دون جهد الرفع !! وهذا هو موطن وسر إحتجاج الإخوة حمير البلدية العاملين على العربة ذات العجلتين وهم يشكلون الأغلبية في مجتمع الحمير وسوق الحمير على أيامنا !؟؟ فكان مطلبهم يومها المساواة بين الحمير جميعا في الحقوق والواجبات !! .. ولا أذكر ماذا حصل بعد ذلك .. ولكن بعد ذلك طبعا – وكما هو معروف – زلزلت الأرض زلزالها وظهرت الألات الحديثة التي ترفع وتجر العربات ( بلا جميلة الحمير ) مما أدى الى إنتشار البطالة في قطاع الحمير الاهليه أو حمير البلدية كما يطلق عليهم البعض مما ادى الى انخفاض الطلب على الحمير في السوق مما أدى بالضرورة ووفق قوانين السوق ( العرض والطلب ) إلى إنخفاض السعر ! .. سعر الحمير ! .. وظل الطلب على هذا المنوال يعاني من الانخفاض المستمر حتى أصبح ثمن الحمار الوطني الواحد صفرا ً ! .. يعني لا يساوي حتى ( مليم أحمر ) ! مع العلم أنه وعلى أيامنا كانت الفلوس تحسب بالملاليم ! .. والمليم كان له قوة شرائية تساوي قطعة حلوى أو قطعة علكة ( طرف مستكة القط الأسود ! ) - !!؟؟ وبالتالي وبقدوم الألات وقيام المجتمع الجديد لم يعد للحمير أية وظيفة في المجتمع الجديد فإختفت الحمير اللهم الا حمار اشهب عجوز يعاني من السعال الديكي موجود من اجل ( التفرجه ) في حديقة الحيوان ببنغازي ( البوسكو ) ؟ .. هذا الحمار المسكين ( التحفة ) رأيته ذات مرة بأم عيني وقد أغرورقت عيناه بالدموع وهو ينظر إلىّ في شئ من العتاب الممزوج بألألم الشديد حتى خيل لي أنه قال لي بصوت حزين : ( هذي أخرتها ياسي الإنسان ) !!؟؟ ... إلا إن إختفاء الحمير بكميات هائلة من الشوارع بهذا الشكل المفاجئ وبهذه السرعة غير الطبيعية جعل بعض المراقبين يفسرون هذه الظاهرة الغريبة بتفسير لا يقل غرابة عنها فقد قيل بأن الحمير أكتشفت طريقة عجيبة جعلتها تتمكن من التشكل بصورة البشر ومن ثم تمكنت من الحصول على وظائف جديده في المجتمع الحماهيري الجديد ( يعني كيف الناس لباس وما فيش حد أحسن من حد ) بل وقيل أن بعضها تمكن من الوصول الى اعلى مستويات هرم السلطة في دولة الجماهير بعد إغلاق سوق الحمير في ليبيا وتحريم الصحافة الخاصة وتجريم النهيق بأي شكل من الأشكال بدعوى أن أنكر الأصوات هو صوت الحمير !!؟؟ .. ولله في خلقه شؤون ! .









