البكوش والشخصية الليبية !؟
03:39:25 13/5/2007
بقلم : سليم نصر الرقعي
المنارة – 13/5/2007
لم يكن في وسعي – لمغالبة الشعور بالحزن والخسارة الذي اعتراني فور قراءتي لخبر رحيل الاستاذ عبد الحميد البكوش – رحمه الله - الا ان اعود لأطلع على سيرة الرجل وعلى الكثير من أخباره والكثير من افكاره وأشعاره التي اعترف بأنني كنت أجهل أكثرها ! .. فالرجل لم يكن مجرد سياسي وطني مخضرم ورجل دولة تولى الكثير من المسؤوليات المهمة في الدولة الليبية الحديثة التي اطاح بها - على حين غرة – شذاذ الأفاق في 1969 وحسب بل هو – فضلا ً عن ذلك – مثقف وشاعر وطني من الطراز الأول الذي أقام فكره الوطني على أساس معادلة متوازنة من الأصالة والمعاصرة وسار على النهج الوطني الليبي الأصيل المنفتح على كل ماهو خير وعادل ورشيد لدى الآخرين بلا شعور بالهزيمة او الإستلاب !.. تلك الأصالة وذاك العقل المنفتح الذي كان يميز فكر وعقول بناة دولة ليبيا الحديثة ( دولة الإتحاد والإستقلال ) كما يمكن ان يلاحظه ويلمسه كل متفحص لأهم قواعد ونصوص الدستور المؤسس لتلك الدولة الفتية التي عطل حركة نهضتها ونموها الطبيعي والواعد والرزين الإنقلابيون القادمون من المجهول ! .
إن أشد ما لفت إنتباهي وإهتمامي لمقالات وافكار ' البكوش ' هو تركيزه على موضوع الشخصية الوطنية في مقالته ( الشخصية الليبية )(1) حيث أكد فيها منذ البداية على وجود وعلى أهمية الشعور بالإنتماء لدى البشر والمواطنين سواء شعورهم بالإنتماء الى قوم ومجتمع قومي خاص أو شعورهم بالإنتماء الى مكان محدد ووطن معين .. فشعور الفرد بالإنتماء للأمة أو الوطن ظاهرة إنسانية حقيقية وطبيعية فطرية ملموسة بل وضرورية وحيوية على الرغم من كل الاختلافات الكثيرة و المجادلات الكبيرة والنظريات المختلفة حول تفسير طبيعة هذه الظاهرة والعوامل التي تؤدي الى نشوءها وتطورها والموقف منها !؟ .. وقد ذكر ' البكوش ' بأن سبب الكثير من المصائب التي حلت بالشعب الليبي - وعلى رأسها مصيبة إنقلاب سبتمبر المشؤوم الذي أطاح بمشروع دولة ليبيا الحديثة - هو ضعف الشعور بالإنتماء لهذا الوطن لدى الكثير من الليبيين !؟ .. أو ضعف الشخصية الليبية التي جعلت من الشعب الليبي ضعيف الوعي والإرادة يركض وراء كل ناعق وكل دجال يناديه من الشرق أوالغرب بلا فهم وإستيعاب ! .. ثم دعا رحمه الله - في تلك المقالة - كل المثقفين والمربيين الليبيين الى ضرورة السعي لترسيخ هذا الشعور بالإنتماء الى ليبيا ( الشعور الوطني .. الروح الوطنية ) لدى الشعب الليبي والعمل على تقوية الشخصية الوطنية وإستقلاليتها ليكون هذا الشعور من اهم الدوافع الذاتية نحو النهوض والتقدم .
إلا أنني لاحظت بأنه لم يركز على مفهوم ( الأمة الليبية ) الذي ورد في بيان الإستقلال (2) بل شدد على الإنتماء للمكان / الوطن / البلد / الدولة أكثر من تركيزه وتشديده على مفهوم القوم / الأمة !!؟؟ .. ربما لإعتقاده - ككثير من المثقفين الليبيين بالأمس واليوم ؟ - بأن مفهوم ( الأمة ) ينصرف فقط لـ( الأمة العربية الواحدة ) ولا يوجد شئ بالتالي أسمه ( الأمة الليبية ) !!؟؟ أو أنهم يعتقدون بأن المنادة بـ( الأمة الليبية ) كحقيقة وطنية وقومية وسياسية قائمة تضم الليبيين من عرب وغيرهم بكل مشاربهم ومذاهبهم والوانهم واصولهم العرقية والقبلية سيكون على حساب دائرة إرتباطنا بالأمة العربية أو بالأمة الإسلامية وهو أمر غير صحيح كإعتقاد البعض أن الإرتباط بالأديان والأقوام والأعراق والأوطان والأقطار سيكون على حساب دائرة الإرتباط بـ( الأمة الإنسانية الأممية ) الواحدة التي تجمع كل البشر !! .. فـ( ألأمة الليبية ) حقيقة إجتماعية وسياسية وتاريخية موجودة إلا أنه - وبسبب عوامل كثيرة ليس هنا موضع تفصيلها - تم إستلاب وتغييب وطمر هذا ( الإسم ) أي( الأمة الليبية ) على الرغم من وجود ( المسمى ) أي الكيان الإجتماعي الثقافي الوطني السياسي الجامع لكل الليبيين !! .. مما ساهم كثيرا ً في ضعف وغموض شخصيتنا الوطنية وهويتنا القومية الخاصة بنا نحن الليبيين كأمة وطنية وسياسية واحدة وضعف ( الشخصية الليبية ) سواء كما تتمثل في الأفراد أو كما تتمثل في المجتمع الليبي ككل ! .. وهو ما سنناقشه في مقالة خاصة وقادمة بعنوان ( الأمة الليبية !؟ ) ... فالتأكيد على هذا ( المفهوم ) بل وعلى هذا ( الإسم ) لهذا ( المسمى ) أي هذا ( الكيان القومي الوطني الواحد والمستقل ) الموجود بالفعل في الواقع- من وجهة نظري – أمر مهم يجب أن يجند أصحاب التوجه الوطني الليبي اليوم بكل توجهاتهم طاقاتهم من أجل ترسيخه في الأذهان والوجدان وفي عالم الأعيان والدفاع عنه والدعوة اليه كما أن الكتابة في هذا الشأن بالنسبة لي اليوم هو أفضل ما يمكنني أن أتحدث عنه بمناسبة رحيل هذا الزعيم الليبي الجليل وهذا المواطن والمثقف الليبي الأصيل الذي طالما دعا الى الحفاظ على إستقلالية وقوة ( الشخصية الليبية ) ! .
أخوكم المحب : سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
(1) http://almanara.org/new/index.php?scid=4&nid=3462
(2) جاء في إعلان إستقلال ليبيا الذي تلاه الملك ادريس – رحمه الله – يوم الإستقلال :
(( يسرنا أن نعلن للأمة الليبيه الكريمه أنه نتيجة لجهادها وتنفيذا ً لقرار هيئة الأمم المتحده الصادر في 21/ نوفمبر/ 1949م قد تحقق - بعون الله - إستقلال بلادنا العزيزه.. وإنا لنبتهل إلى المولى عز وجل بأخلص الشكر وأجمل الحمد على نعمائه .. ونوجه إلى الأمة الليبية أخلص التهاني بمناسبة هذا الحادث التاريخي السعيد .. ونعلن رسميا ً أن ليبيا منذ اليوم أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة .... )) إهـ .. فمصطلح ( الأمة الليبية ) كان حاضرا في وجدان وأذهان بناة دولة الاتحاد الليبي ولكن المد القومي العروبي همش وشوه هذا المفهوم في أذهان ووجدان الأجيال اللاحقة مما أدى الى فقدان الشعور بهوية محددة ثم زاد القذافي الطين بلة بطمسه لكل معالمنا الوطنيه والدعوة الى هويات من وراء الحدود أو من صنع الخيال !؟ .
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
مقالات المنارة
بعد نجاح مزارعون محليون في زراعتها دعوة للحكومة الليبية لزراعة شجرة المانجا المثمرة بليبيا ناجي احمدة











