محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (3)

محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (3)

04:00:26 29/6/2007

 

المنارة – 30/6/2007

 

 

 

' 1 '

 

'  ليس هناك في جزيرة العرب كلها من أحببته كما أحببت السيد أحمد .. لأنه ضحى بنفسه وبكل ما يملك تضحية كاملة - مجردة من المنافع الشخصية – من أجل قيمه المقدسة ومثله العليا .. وكرس كامل حياته تلميذا ومحاربا  من أجل إحياء المجتمع المسلم روحيا .. ومن أجل استقلاله سياسيا  وقد كان يعرف جيدا أنه لا يمكن الحصول على أحدهما دون الآخر ' .

 

 

مع محمد الزوي في المدينة المنورة

أثناء مغادرتي لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، شعرت بيد تمسك بيدي وعندما التفت وقعت عيناى على سيدي محمد الزوي السنوسي :

 

-       كم أنا مسرور برؤيتك يا بني .. بعد هذه الشهور الطويلة .. ليبارك الله خطواتك في مدينة رسوله المباركة .

 

وعلى امتداد الشارع المؤدي من مسجد الرسول وحتى السوق الرئيسية .. سرنا معا وببطء شديد جنبا إلى جنب ويدا بيد .

 

كان سيـدي محمد ' ببرنسه ' الشمال أفريقي الأبيض .. ذو شهرة واسعة في المدينة .. حيث كان ولا يزال يقيم بها منذ سنوات .. وكان العديد من الناس يستوقفوننا ونحن نسير معا ، ليحيونه باحترام شديد .. ليس فقط لسنواته السبعين ولكن لشهرته أيضا كقائد من قادة جهاد ليبيا البطولي من أجل الاستقلال  .

 

-       أريدك أن تعـرف يا بني .. أن السيـد أحمد في المدينة .. وصحته ليست على ما يرام .. سوف يسر جدا برؤيتك .. كم ستمكث هنـا .. ؟

 

-       فقط .. إلى ما بعد الغد .. ولكنني وبكل تأكيد سوف لن أغادر المدينة إلا بعد رؤية سيدي أحمد .

 

-      وهل توافقني على أن نذهب إليه معا الآن ... ؟

 

-      نعم .. وبكل سرور .

 

 

 

محارب من طراز فريد

ليس هناك في جزيرة العرب كلها من أحببته كما أحببت السيد أحمد .. لأنه ضحى بنفسه وبكل ما يملك تضحية كاملة - مجردة من المنافع الشخصية – من أجل قيمه المقدسة ومثله العليا .. وكرس كامل حياته تلميذا ومحاربا .. من أجل إحياء المجتمع المسلم روحيا .. ومن أجل استقلاله سياسيا .. وقد كان يعرف جيدا أنه لا يمكن الحصول على أحدهما دون الآخر .. والآن لا زلت أتذكر جيدا أول لقاء لي مع السيد أحمد .. منذ سنين عديدة بمكة المكرمة .

 

إلى الشمال من المدينة المقدسة يقع جبل ' أبو قبيس ' الذي يرد ذكره في الكثير من الحكايات والأساطير والتقاليـد القديمة .. يتـوج قمته مسجد صغير أبيض ذو مئذنتين ، يطل على منظر جميل في وادي مكة ، حيث يقع مسجد الكعبة المشرفة في أسفله .. وتنتشر البيوت الزاهية الألوان من كل الجهات المحيطة متسلقة سفوحه الحجرية الجرداء باتجاه القمة .

 

وتحت قمة جبل ' أبو قبيس ' بقليل يقع مجمع حجري معلق فوق شرفات ضيقة كأعشاش النسور ، ذلك هو المقر المكي ' للإخوة السنوسية ' وفيه يقيم الشيخ العجوز الذي قابلته هناك .. الذي نفي قصرا عن وطنه .. وسدت في وجهه كل الطرق المؤدية إلى منزله في برقة بعد ثلاثين سنة من الجهاد .

 

وبعد رحلته الطويلة التي استمرت لأكثر من سبع سنوات من المغامرة والجهاد بين البحر الأسود وجبال اليمن .. كان خلالها يحمل اسما مشهورا في العالم الإسلامي بأسره ، إنه السيد ' أحمد الشريف ' إمام السنوسية .

 

لم يكن هناك اسم آخر سبب الأرق للحكام المستعمرين في شمال أفريقيا .. حتى الأمير عبد القادر الجزائري في القرن التاسع عشر .. أو المغربي عبد الكريم الذي كان شوكة قوية أقضت مضاجع الفرنسيين ، وأقلقهم في الأيام الأخيرة .

 

فعلى الرغم من أن هذين الرجلين لا يمكن أن يسقطا من ذاكرة المسلمين .. إلا أنهما حققا أهدافا سياسية فقط .. بينما حقق السيد أحمد وطريقته بالإضافة إلى ذلك قوة روحية كبيرة منذ سنين عديدة .

 

 

 

 

 

اللقاء الآول

كان أول لقاء جمعني بالسيد أحمد الشريف .. عندما قدمني إليه قائد الصراع الاندونيسي من أجل التحرر السياسي .. صديقي ' حاجي أغوس سليم ' من جزيرة جاوا .. الذي جاء إلى مكة المكرمة لآداء مناسك الحج .. وحينما علم السيد أحمد بأنني حديث الإسلام مد إلي يده باحترام شديد وهو يقول:

 

-                  مرحبا بك بين إخوانك .. يا أخي الصغير .

 

آثار الألم والمعاناة تبدو واضحة جلية على جبين هذا المحارب الكبير .. الذي سلخ أغلب سني عمره من أجل الإيمان والحرية ....  تراه فتدرك أنه متعب .. بلحيته الرمادية الصغيرة والتجاعيد التي تغطي وجهه الحزين .. ورموشه التي تتحرك ببطء شديد فوق عينيه الناعستين من شدة التعب .. وبصوته الرقيق ذي النبرة المفعمة بالحزن الذي يتوهج - أحياناً - بالنشاط والحيوية  .. فتصبح العينان أكثر حدة وإشراقا .. وترتفع يده من بين ثنايا  ' برنوسه ' الأبيض كجناح نسر .

 

هذا هو الشيخ المجاهد وريث فكرة ورسالة .. لو قيض لهما أن تنجزا لساهم ذلك في نهضة الإسلام الحديث .. حتى في كبره ومرضه وتوقف مشاريعه وأعماله لم يفقد هذا البطل الشمال أفريقي توهجه ولمعانه .. ولم ييأس مطلقا .

 

ولم لا .. وقد كان يدرك جيدا أن أمله في إعادة الإحياء الديني والسياسي من خلال الروح الإسلامية الحقيقية - الذي ناضلت من أجله الحركة السنوسية طويلا  - لا يمكن القضاء عليه أو محو آثاره من قلوب المسلمين .

 

كان جد السيد أحمد .. هو ذلك العالم الجزائري الكبير محمد بن علي السنوسي - نسبة إلى عشيرته بني سنوس - أول من فكر - في النصف الأول من القرن التاسع عشر - في تأسيس حركة إسلامية على أساس ' الأخوة الإسلامية '  يمكن أن تمهد الطريق لإقامة دولة إسلامية بالمعنى الصحيح .

 

وبعد سنوات من التجوال والدراسة في العديد من البلدان العربية .. أسس السيد محمد بن علي الزاوية الأولى في جبل ' أبي قبيس '  بمكة المكرمة .. وفي وقت قصير جدا .. صار لـه كثير من الأتباع والأنصار من بدو الحجاز .. لكنه لم يمكث بمكـة طويـلا .. بل غادرها عائـدا إلى شمال أفريقيا .. ليستقر أخيرا في ' الجغبوب ' واحة في الصحراء بين برقة ومصر .. ومن هناك انتشرت رسالته كالبرق لتشمل جميع أنحاء ليبيا .. تعدتها بعد ذلك إلى أنحاء أخرى من البلدان المجاورة وغيرها .

 

وعندما توفي سنة ' 1859 ' كان السنوسيون - كما أصبح أتباعه يعرفون فيما بعد - يسيطرون على دولة مترامية الأطراف تمتد من شواطئ البحر المتوسط إلى داخل منطقة الطوارق بالصحراء الجزائرية وحتى أعماق أفريقيا الاستوائية .

 

 

' 2 '

 

' ومما لا شك فيه أنه ،  ومنذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم .. لم توجد حركة إسلامية

كبيرة في العالم الإسلامي بأسره .. كالحركة السنوسية  في تميزها  وقربها من واقع الحياة  الإسلامية ' .

 

 

 

 

إنجاز فريد

لا يمكن لمصطلح الدولة المتعارف عليه .. الآن أن يصف بدقة متناهية هذا الإنجاز الفريد الذي حققه السيد محمد بن علي السنوسي .. ذلك أنه لم يكن في يوم من الأيام .. يطمح إلى إقامة حكم شخصي له أو لأولاده أو لأحفاده  .. كان يسعى دائما إلى إعادة إحياء الإسلام اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا .. وتبعا لهذا الهدف وهذا الطموح لم يعارض الهيكل القبائلي التقليدي .. ولم يهدد سيادة سلطان تركيا الاسمية على ليبيا .. الممثلة في الوالي العثماني - الذي استمر في الاعتراف به كأحد خلفاء الإسلام - بل قدم كل ما يستطيع لتعليم البدو عقائد الإسلام التي انحرفوا عنها في السابق .. وحرص على أن يغرس في نفوسهم الوعي ' بالأخوة الإسلامية ' التي أوصى بها القرآن الكريم .. وطمست منذ قرون نتيجة المعارك القبلية .

ومن خلال العديد من الزوايا التي انتشرت على امتداد شمال أفريقيا .. حمل السنوسي رسالته إلى أبعد القبائل .. وحقق خلال عقود قليلة ذلك التغير – الأشبه بالمعجزة – بين العرب والبربر على حد سواء .. فحل الهدوء والتعاون بين القبائل .. وبدأت الفوضى القديمة تختفي تدريجيا .. والمقاتلون الذين لا يردعهم قانون أو عرف أصبحوا يتحلون بروح من التعاون الجماعي .. بخلاف ما كانوا عليه من قبل.

ولم يكن تعليم الأطفال في الزاويا يقتصر على تعاليم الإسلام وحسب .. بل كل الفنون والتخصصات المهنية التي كان يجهلها المحاربون الرحل .. بل يحتقرونها ويزدرونها وقد وجهوا – على سبيل المثال – إلى حفر أكبر وأفضل عدد من الآبار في مناطق كانت ومنذ قرون قاحلة ..  وبدأت المزارع تحت القيادة السنوسية في النمو والانتشار  وتحولت بقاع عديدة من الصحراء إلى واحات ظليلة مزدهرة .

وقد شجع ذلك السلم الذي بسطه السنوسي على تلك البقاع عملية التبادل التجاري ..   وصار بإمكان القوافل أن تعبر الصحراء إلى أماكن .. كان من المستحيل في الماضي الوصول إليها .. دونما سرقة أو اعتداء من قبل قطاع الطرق .

وخلاصة القول أن الحركة السنوسية كانت حافزا قويا للقبائل البدوية إلى ممارسة الحياة بروح من المدينة والتقدم .. وكان انتهاجها لسيرة السلف الصالح .. قد رفع من قدرها ومكانتها في المجتمع الجديد .. إلى مكانة أعلى من أي شيء عرفته تلك المنطقة في السابق .

رحب رجال تلك القبائل وزعماؤها .. بالزعامة الروحية التي كان يمثلها إمام السنوسية ، ورحبت السلطات التركية في المدن الساحلية الليبية - هي الأخرى – بتلك الزعامة .. بعدما أدركت أثرها الإيجابي على تلك القبائل البدوية .. التي كان من الصعب التعامل معها .

حيـث ركز السنوسيون منذ البداية .. جهودهـم على تعليم وتطوير البسطاء من أهل البــلاد .. إلى الحد الذي أصبح لا يفرق فيه بين تأثير الحركة السنوسية وتأثير الحكومة التركية .

وكان لتلك القوة الروحية للحركة السنوسية .. أثرها البالغ في التعامل مع البدو البسطاء وطوارق شمال إفريقيا .. للنهوض بهم كي يعيشوا بالروح الإسلامية الحقيقية ويدركوا بأنهم جميعا يعملون من أجل الحرية والكرامة والأخوة الإنسانية .

ومما لا شك فيه أنه ومنذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم .. لم توجد حركة إسلامية كبيرة في العالم الإسلامي بأسره .. كالحركة السنوسية في تميزها وقربها من واقع الحياة الإسلامية .

 

ضد الفرنسيين

في أفريقيا الاستوائية

لكن ذلك السلم الذي بسطته الحركة السنوسية لم يدم طويلا .. ففي الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، بدأت فرنسا تقدمها من جنوب الجزائر إلى أفريقيا الاستوائية .. لتبدأ خطوة بخطوة احتلال مناطق مستقلة تابعة للقيادة الروحية السنوسية .

ودفاعا عن حريتهم أجبر ابن المؤسس وخليفته محمد المهدي إلى امتشاق السيف الذي لم يكن باستطاعته فيما بعد التخلي عنه .

كان ذلك الصراع الطويل في الواقع جهادا  إسلاميا وحربا للدفاع عن النفس .. أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين '  البقرة / آية : 190  .. إلى قوله تعالى : ' وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين }  البقرة / آية : 193

ولم يوقف الفرنسيين اعتداءهم .. بل حملوا علمهم ذا الألوان الثلاثة .. على حراب بنادقهم .. وتوغلوا أكثر فأكثر داخل الأراضي الإسلامية .

وحينما توفى محمد المهدي عام ' 1902 '  تولى ابن أخيه السيد أحمد الشريف قيادة السنوسية .. منذ أن كان عمره تسعة عشر عاما ، وأثناء حياة عمه ، وعندما أصبح فيما بعد  إماما للسنوسية .. شارك السيد أحمد في العديد من المعارك ضد الفرنسيين فيما يعرف الآن بالمحميات الفرنسية في أفريقيا الاستوائية .

وعندما غزت الجيوش الإيطالية برقة وطرابلس سنة  ' 1911 ' وجد نفسه يقاتل على جبهتين .. وقد أجبره هذا الضغط الجديد والمباشر إلى  توجيه جهوده نحو الشمال .. ليقاتل هناك جنبا إلى جنب مع الأتراك في بداية الغزو .

وبعد انسحاب الأتراك ، أصبح السيد أحمد يقاتل بنجاح .. مع بقية مجاهدي السنوسية – كما يطلق هؤلاء المقاتلون من أجل الحرية على أنفسهم –  رغم تفوق الغزاة في العدد والعتاد .. ونتيجة لذلك لم يستطع الإيطاليون أن يسيطروا سوى على عدد محدود من المدن الساحلية .

 

ضد الإنجليز في مصر

كان الإنجليز الذين يتمركزون في مصر .. قلقين من الانتشار الإيطالي في شمال أفريقيا .. ولذا فقد كان وضعهم محايدا .. فلم يناصبوا السنوسي العداء .. وكانت الإمدادات التي يحتاجها المجاهدون في برقة تأتي عن طريق مصر .. وكانت غالبية سكان مصر متعاطفة معهم .

ومما لاشك فيه أن هذا الحياد الإنجليزي لو استمر.. لسمح على المدى البعيد للمجاهدين .. بطرد الإيطاليين من برقة بشكل كلي ومؤكد .

وعندما دخلت تركيا الحرب ، إلى جانب ألمانيا فـي الحرب العالمية الأولـى سنة :  ' 1915 ' -  طلب السلطان العثماني الذي يعرف بخليفة المسلمين .. من إمام السنوسية : ' السيد أجمد الشريف ' مساعدة الأتراك في تلك الحرب .

ولم يكن ذلك ليرضي الإنجليز .. الذين يهمهم الحفاظ على الأراضي المصرية التي تحت سيطرتهم .. ولذا فقد طلبوا من السيد أحمد البقاء على جانب الحياد .. ويعترفون له – مقابل حياده - بالحركة السنوسية في ليبيا .. ويتنازلون له – بالإضافة إلى ذلك - عن الواحات المصرية في الصحراء الغربية .

ولو قبل السيد أحمد هذا العرض المنطقي .. الذي كان يتفق تماما مع مجريات الأمور وواقع الحال آن ذاك .. إذ أنه لم يكن مدينا للأتراك الذين وقعوا وثيقة تسليم ليبيا للإيطاليين في السنوات الماضية .. وتركوه يحارب الإيطاليين وحده .. بينما لم يقم الإنجليز بالاعتداء على بلاده .. وبخلاف ذلك فقد سمحوا بتدفق المؤن والسلاح إلى المجاهدين عن طريق مصر .. وكانت مصر التي تحت سيطرتهم الجبهة الوحيدة التي تصل عن طريقها تلك الإمدادات .

 

الحرب على ثلاث جبهات

وبالإضافة إلى ذلك كله .. فإن مساندة تركيا للألمان في ' الجهاد البرليني ' كما أسماه السلطان العثماني .. لم يكن يوافق العقيدة الإسلامية ولم يكن الأتراك – من خلاله - يدافعون عن أنفسهم .. بل كانوا يشاركون غير المسلمين في حروبهم العدوانية .

ومن هنا فإن الاعتبارات الدينية والسياسية على حد سواء .. كانت جميعها تجيز للسيد أحمد انتهاج مسلك واحد لا غير .. ألا وهو .. أن يبقى على جانب الحياد .. تجاه هذه الحرب التي لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد . 

وقد نصح العديد من القادة السنوسيين المؤثرين ومن بينهم - صديقي سيدي محمد الزوي – نصحوا السيد أحمد بالبقاء على جانب الحياد .. لكن روح الشهامة المثالية نحو خليفة المسلمين .. أدت في نهاية المطاف إلى ترجيحه لكفة الحرب على كفة الأمور المنطقية الأخرى .. مما دفعه إلى اتخاذ القرار الخاطىء .. حيث دخل الحرب إلى جانب الأتراك.. وهاجم القوات البريطانية في الصحراء الغربية .

وبحكم معرفتي الشخصية بالسيد أحمد .. الذي لم يكن ممن يسعون من أجل تحقيق مكاسب شخصية أو مآرب دنيوية .. فليس ثمة شك يساورني الآن .. بأنه - وبكل تأكيد – لم يكن يطمح من خلال قراره ذلك .. إلا إلى تحقيق رغبته الصادقة .. في حماية الوحدة الإسلامية .

لكن ورغم حسن نواياه .. فأن قراره ذاك - من وجهة النظر السياسية - كان من أسوأ القرارات التي اتخذها في حياته .. ذلك أن الآثار المأساوية المترتبة عليه - وكما كان متوقعا – لم تكن مجرد ربح أو خسارة شخصية وحسب .. بل التضحية بكامل رسالته الكبرى التي نذر حياته لخدمتها .. وناضل من أجلها جيلين من أتباعه .

ومنذ ذلك الوقت .. كان عليه أن يحارب على ثلاث جبهات .. في الشمال ضد الإيطاليين وفي الجنوب الغربي ضد الفرنسيين وفي الشرق ضد الإنجليز.

حقق في البداية بعض النجاح .. كان الإنجليز وتحت ضغط تقدم الجيوش الألمانية التركية باتجاه قناة السويس قد اخلوا الواحات في الصحراء الغربية .. التي احتلت حالا بواسطة قوات السيد أحمد .. وواصلت بقية قوات المجاهدين التي تستقل الجمال تقدمها حتى مشارف القاهرة .. وكان يقودها محمد الزوي الذي عارض بقوة هذه المغامرة .

لكن موازين الحرب ما لبثت أن تغيرت بالسرعة غير المتوقعة .. وذلك بعدما  استطاع الإنجليز إيقاف التقدم السريع للقوات الألمانية التركية في جزيرة سيناء .. ليقوموا بعد ذلك بهجوم مضاد ضد قوات السنوسي في الصحراء الغربية .. لإعادة الواحات والآبار ويقطعوا طريق الإمداد الوحيد ، الذي يزود المجاهدين في برقة بالمؤن والسلاح .

ولم يكن إنتاج برقة بطبيعة الحال يكفي لوحده .. لإطعام سكانها الذين يعيشون ، صراع حيــاة أو مـوت .. ولم تكن أيضا تلك المحاولات النادرة للغواصات الألمانية والنمساوية التي تمد المجاهدين بالسلاح والذخيرة - بطريقة سرية - ذات فائدة تذكر .

 

 

 

 

 

 

 

 طالع الاجزاء الاخرى من الكتاب

 

 

اقرأ ايضا للكاتب

 

حكاية الديك والثعلب المخادع

حكاية القطط التي أكلت الجو

أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )

رجل من القمة

الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '

مناظرة بين حمارين *

 

 

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
بارك الله فيك
عبدالرزاق سرقن
سويسرا
2007/7/1

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي