محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (4)

محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (4)

03:30:13 6/7/2007

المنارة – 7/7/2007

 

 

' 3 '

'  كان الأتـراك يخافـون مـن عودة العـرب إلى الواجهة ، ليتسلموا قيـادة المسلمين من جديـد ..  وكانت حاشيـة السلطان –  فيمـا يبــدو –  لا ترغب في نجـاح السنوسي في مهمته ، لإدراكهم بان النصر السنوسي يعيد إحياء الانتصارات العربية .. ويجعل من السيد أحمد ذي الشهرة الأسطورية – حتى في تركيا نفسها - الخليفة الفعلي للمسلمين ' .

 

 

 

 

في تركيا

في عام ' 1917 ' استقل السيد أحمد غواصة المانية وسافر إلى اسطنبول .. بناءً على مشورة من مستشاريه الأتراك الذين أقنعوه بالذهاب إلى هناك للحصول على مزيد من الدعم الفعال .. وقبل أن يغادر سلم القيادة في برقة لأبن أخيه السيد محمد إدريس الذي كان متسامحا ومنفتحا أكثر من السيد أحمد .

ومنـذ البداية حاول إدريس عقد صلح مع الإيطاليين والبريطانيين .. الذين لم يكونوا يرغبون في الصراع مع الحركة السنوسية ، وقد قبلوا السلم بلا تردد .. وضغطوا على الإيطاليين ، ليعملوا مثل ذلك .. وما لبثت الحكومة الإيطالية أن اعترفت رسميا بالسيـد إدريس كأمير للسنوسية .. ومنحتـه شبه استقـلال على مناطق وواحات من إقليم برقـة حتى عام ' 1922 ' .

وعندما أدرك عدم رغبة الإيطاليين في الالتزام بالاتفاقيات المبرمة .. وأن غرضهم من عقدها إلزام البلاد بها وإخضاعها لحكمهم .. هاجر السيد إدريس محتجا إلى مصر في بداية عام ' 1923 ' .. وسلم قيادة الحركة إلى أحد الأتباع القدماء الموثوق بهم وهو عمر المختار.

وكما كان متوقعا .. لم يتأخر الإيطاليون في خـرق الاتفاقيات المبرمة سابقا .. ومن هنا فقد بدأت الحرب في برقة مـن جديـد .

في الوقت ذاته كان السيد أحمد في تركيا قد أخفق في مهمته .. كان يأمل أن يعود إلى برقة مجددا بمجرد أن يحقق ما ذهب من أجله .. ولكن أمله ذاك ظل بعيد المنال .. فلم يكد يصل إلى اسطنبول حتى أرغمته الدسائس الغربية على تأخير رجوعه إلى برقة أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر .

كان الأتراك يخافون من عودة العرب إلى الواجهة .. ليتسلموا قيـادة المسلمين من جديـد.. وكانت حاشية السلطان – فيما يبدو– لا ترغب في نجاح السنوسي في مهمتة .. لإدراكهم بان النصر السنوسي يعيد إحياء الانتصارات العربية .. ويجعل من السيد أحمد ذي الشهرة الأسطورية - حتى في تركيا نفسها - الخليفة الفعلي للمسلمين .. ولم يخفف من حدة تلك المخاوف علمهم المسبق .. بعدم رغبة السيد أحمد في مثل هذه المطامح الدنيوية .. وعلى الرغم من أنه قد عومل باحترام وتقدير كبيرين .. إلا أنه كان في حقيقة الحال قد سجن بطريقة محترمة ولكنها مؤثرة .

وما إن سقطت الخلافة العثمانية سنة  ' 1918 '  واحتل الحلفاء اسطنبول .. حتى أدرك نهاية أمله الذي وضعه في غير محله .. وذلك بعدما أغلقت أمامه سبل العودة إلى برقة.. لكن رغبته في العمل لمصلحة الوحدة الإسلامية .. لم تسمح له البقاء دون نشاط .

 

 

ضد الحلفاء في الأناضول

وعندما نزلت قوات الحلفاء في اسطنبول عبر السيد أحمد إلى أسيا الشرقية لمشاركة كمال أتاتورك –  كان معروفا آنذاك بمصطفى كمال – الذي بدأ قبل ذلك بقليل تنظيم المقاومة التركية داخل الأناضول .

وعلينا ألا نتجاهل  منذ البداية .. ذلك الصراع البطولي لكمال أتاتورك من أجل الإسلام.. وقد كان ذاك دافعا دينيا وحيويا .. للقومية التركية في تلك الأيام المظلمة .. لمقاتلة القوات اليونانية القوية المدعومة بقوات الحلفاء .

هب السيد أحمد لمساندة القضية التركية بثقله الروحي والأخلاقي .. وطاف بلا كلل كل المدن والقرى والأرياف التركية .. داعيـا الناس إلى مؤازة الغازي أو المدافع عن الإيمـان : مصطفى كمال . 

وقد ساهمت جهود الإمام السنوسي وشهرته الكبيرة .. في نجاح الحركة الكمالية وسط البسطاء من سكان الأناضول الذين لا يتأثرون بالدعاية والشعارات القومية .. بل يفتخرون – لأجيال متتالية – بالتضحية من أجل الإسلام.

وهذه المرة أيضا أدرك السنوسي أن تقديراته لم تكن في محلها .. ليس فيما يخص الشعب التركي الذي جعله حماسه الديني ينتصر عدة مرات على أعداء أقوى منه بكثير.. ولكن فيما يخص نوايا قائدهم الذي غير من أهدافه المعلنة بعد انتصاره بقليل .. وأعلن عن أهداف أخرى تختلف كثيرا عن تلك التي جاهد من أجلها  البسطاء من الناس .

فما إن تحقق له النصر حتى تخلى أتاتورك عن تلك القوة الروحية ' التي قادته إلى النصر ' .. وبدلا من أن يقود ثورته الاجتماعية ، من أجل إعادة مجد الإسلام والمسلمين ، اعتمادا على الثوابت الإسلامية .. اعتبر من غير الضروري تقريبا جعل القيم الإسلامية كقاعدة لإصلاحاته التي يقوم بها . 

ولــم يكن من الضروري  -  حتى من وجهة نظر أتاتورك نفسه – انتهاج ذلك المسلك المعادي للإسلام .. فقد كان من السهولة بمكان الاستفادة من حماس شعبه الديني .. من أجل تحقيق التقدم المنشود دونما حاجة تدعوه إلى عزل تركيا عن كل مقوماتها وقوتها الروحية .. التي شكلتها وجعلت منها أمة عظيمة .

 

من دمشق إلى مكة

وبخيبة أمل مريرة ، من إصلاحات أتاتورك المعادية للإسلام .. سحب السيد أحمد نفسه كليا من خضم الأحداث السياسية ، التي تموج بها تركيا .. ليتوجه أخيرا إلى دمشق   ـــ  في عام ' 1923 ' ــــ  ومن هناك وبالرغم من معارضته لسياسة أتاتورك الداخلية .. سعى مجددا لخدمة الإسلام ووحدة المسلمين .. وذلك من خلال محاولاته إقناع السوريين لإعادة الإتحاد مع تركيا .

الشيء الذي أثار– بطبيعة الحال – حفيظة سلطات الانتداب الفرنسي في سوريا .. التي توجست منه خيفة ونظرت إليه بريبة وشك .

ولم يمض على ذلك كثير وقت .. حتى جاءه من يخبره بأن الفرنسيين يخططون للقبض عليه .. فاستقل من فوره ـــ  في أواخر عام  ' 1924 '  ـــ سيارة ورحل عبر الصحراء متوجها إلى المنطقة الحدودية المجاورة لنجد .. ومن ثم أكمل طريقه إلى مكة المكرمة ليستقبل هناك من قبل ملك السعودية بحفاوة بالغة .

 

 

 

 

حوار مع محمد الزوي 1

        كيف أحوال المجاهدين المعيشية يا سيدي محمد .. منذ سنة تقريبا لم تصلني أخبار عن المجاهدين في برقة .. ؟

' عندما سألت سيدي محمد الزوي هذا السؤال ، أظلم وجهه

المدور ذو اللحية البيضاء وقال '

        الأخبار ليست جيدة يابني .. القتال توقف منذ أشهر .. انهزم المجاهدون .. أطلقوا آخر رصاصة في حوزتهم .. والآن رحمة الله فقط تقف بين شعبنا المكلوم وانتقام الغزاة .

  وماذا عن السيد إدريس .. ؟

  السيد إدريس .. لا يزال في مصر بلا حول له ولا قوة ينتظر ....

  ينتظر .. ماذا ينتظر .. ؟

  السيد إدريس رجل طيب يحفظه الله .. ولكنه ليس مقاتلا .. يعيش هناك مع كتبه .. والسيف لا يستقر جيدا في يده .

        أنا متأكد من أن عمر المختار لم يستسلم.. هل رحل إلى مصر .

'  توقف سيدي محمد عن حديثه ونظر إلي باستغراب وقال '

  عمر .. !!! ألم تسمع بذلك .. ؟

  هل من جديد لم أسمعه بعد .. ؟

  يا بني – قالها بلطف – سيدي عمر يرحمه الله .. مات منذ سنة تقريبا.

  عمر المختار مات .. !!! أسد برقة الذي لم تمنعه سنواته السبعون من القتال – حتى النهاية – من أجل استقلال وطنه .. مات !!!  لعشر سنوات مظلمة كان روح مقاومة شعبه ضد الرهان الخاسر .. ضد الجيش الإيطالي الذي يفوقهم عشرة أضعاف .. الجيش المجهز بأحدث المعدات والأسلحة والسيارات والمدرعات والطائرات والمدفعية .. بينما عمر المختار والمجاهدين نصف جياع .. ليس لديهم إلا البنادق وعدد قليل من الخيول .. التي قاد بها حرب عصابات مؤثرة في بلد تحول إلى سجن واحد كبير .

لم أكد أصدق صوتي عندما قلت : لقد أدركت ذلك منذ سنة ونصف .. منذ أن عدت من برقة .. نعم أدركت أنه ورجاله محكوم عليهم بالموت لا محالة .. حاولت إقناعه باللجوء إلى مصر للنجاة هو وبقية رجاله .. ليبقى حيا لشعبه لكنه رفض كل محاولاتي .. كان يعلـم جيـدا بأن الموت ولا شيء غير الموت ينتظـره هناك في برقـة .

والآن وبعد ' 100 ' معركة جاءه الموت الذي كان ينتظره منذ زمن بعيد .

' وبينما كنا نخرج من شارع السوق الضيق .. متجهين إلى مربع

 مظلم مفتوح  اسمه المناخة سألت سيدي محمد '

        ولكن أخبرني متى سقط عمر المختار .. ؟

' هز محمد الزوي رأسه بألم .. وأجابني قائلا  '

  لم يمت في معركة .. لقد جرح وأمسك به حيا .. وقتله الإيطاليون بعد ذلك بقليل .. علقوه على أعواد المشانق مثل لص عادي .

  ولكن كيف فعلوا ذلك – صرخت – حتى غراتسياني لا يفعل مثل هذا الشيء المروع.

  ولكنه فعل ذلك على أية حال .. إنه الجنرال غراتسياني الذي أمر بشنقه .

بينما كان سيدي عمر وجماعة من رجاله في عمق الأراضي المحتلة من قبل الإيطاليين.. قرروا زيارة قبر سيدي رويفع الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكان قبره في الجوار .. وبطريقة ما علم الإيطاليون بتواجدهم فطوقوا الوادي برجالهم من الجانبين .. ولم يعد لهم ثمة طريق للنجاة .. دافع سيدي عمر والمجاهدون عن أنفسهم حتى بقي هو واثنين آخرين على قيد الحياة .. وأخيرا قتل حصانه فوقع سيدي عمر على الأرض .. ولكن الأسد الكبير استمر في إطلاق الرصاص .. حتى اخترقت إحدى الرصاصات يده .. واستمر في إطلاق الرصاص بيده الأخرى حتى نفدت ذخيرته .. وعند ذلك أمسكوا به ونقلوه إلى سلوق .. وهناك احضروه إلى الجنرال غراسياني الذي وجه إليه الكلام متسائلا :

- مـاذا تقـول إذا قدمت إليك الحكومة الإيطالية عفوها الكبير .. وسمحت لك بالعيش ..؟ هـل أنت مستعد للتعهد بأن تقضي بقية حياتك في سلام .. ؟ 

فأجابه سيدي عمر بقولـه : سوف لن أتوقف عن محاربتكم ، حتى تغادروا بلادي أو أموت .. وأقسم بالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .. أنه لو لم تكن يداى مكبلتان في هذه اللحظة لقاتلت بيدي وبلا سلاح رغم أنني شيخ مسن .. محطم القوى كما ترى .

ضحك الجنرال غراسياني من جوابه ذاك .. ودن أي تأخير أصدر أوامره بشنقه  بساحة السوق بمنطقة سلوق .. ومن معسكرات الاعتقال جمع الإيطاليون آلاف الرجال والنساء والأطفال ليشهدوا شنق قائدهم وزعيمهم العظيم .

هامش :

ــــــــــــــ

1 _ هـو المجاهد : محمد عبد الله الميهوب العكر الزوي ، ولـد بالكفرة عام : ' 1860 ' تقريبا .. كان أحد قادة المجاهدين الذين حاربوا الإنجليز في مصر .. أقام بواحة سيوه لبعض الوقت ثم هاجر بعد ذلك إلى الأردن .. ومن ثم إلى سوريا ..  ليستقر به المقام أخيرا في المدينة المنورة في ضيافة الملك عبد العزيز .. وهناك رزق بـابنه الوحيد الذي تقلد مناصب رفيعة في سلك الشرطة السعودية .. وتوفي عام : 2001 .. ورزق ابنه عبد الله   بـ ' صالحة ' التي اقترنت  بـ ' عبد الملك الدرناوي '  ولاتزال على قيد الحياة تقيم بمكة الكرمة مع اولادها .

           هذا ما أفادنا به ابن أخيه الحاج محمد هاشم عبد الله الميهوب العكر الزوي .. الذي يقيم حاليا بمدينة اجدابيا .. ويبلغ من العمر حوالي سبعين عاما .

           ذكره محمد أسد بإعجاب شديد في مواضع عدة .. كقوله في الحلقة الأولى من الطريق إلى عمر المختار : ' كان سيـدي محمد الزوي '  ببرنسه '  الشمال أفريقي الأبيض .. ذو شهرة واسعة في المدينة .. حيث كان ولا يزال يقيم بها منذ سنوات .. وكان العديد من الناس يستوقفوننا ونحن نسير معا ، ليحيونه باحترام شديد .. ليس فقط لسنواته السبعين ولكن لشهرته أيضا كقائد من قادة جهاد ليبيا البطولي من أجل الاستقلال ' .

 

 

 

 

يتبع

 

طالع الأجزاء الأخرى من الكتاب

 

 

اقرأ أيضا للكاتب

 

حكاية الديك والثعلب المخادع

حكاية القطط التي أكلت الجو

أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )

رجل من القمة

الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '

مناظرة بين حمارين *

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي