محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (5)

محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (5)

07:11:17 9/7/2007

 

 

المنارة – 10/7/2007

 

 

' 4 '

'  وكان المحاربون الأفذاذ من قبيلة ( المغاربة ) .. يقاومون ببسالة بالمنطقة الساحلية الغربية من برقة .. بقيادة زعيمهم الرافض للاستسلام صالح الأطيوش ، ساعد عمر المختار الأيمن .. ولكن جيوش وأسلحة ايطاليا الكثيرة كانت قد تغلبت في نهاية الأمر على شجاعة أفراد هذه القبيلة المجاهدة  '

 

المهمـة

بينما كان الظلام ينشر رداءه على الساحة الكبيرة .. كنت لا أزال أسير ومحمد الزوي - معا يدا بيد - في طريقنا إلى الزاوية السنوسية .. وكانت ضوضاء السوق من خلفنا لا تزال تتناهى إلى أسماعنا .. مختلطة بأصوات سحق الرمال من تحت أحذيتنا .. ومن أمامنا تستريح - هنا وهناك - مجموعات من الجمال المحملة .

وتحت سماء الليل الغائمة .. كان باستطاعتنا مشاهدة المنازل المنتشرة في الضواحي القريبة .. تلك المنازل التي ذكرتني بأحراش غابات الصنوبر في هضاب برقة .. حيث قابلت سيدي عمر المختار لأول مرة .. وقد تذكرت على الفور .. أحداث تلك الرحلة غير المجدية .. وما لاقيته خلالها من صعاب وأخطار وموت محقق .

وارتسمت في مخيلتي صورة سيدي عمر المختار بوجهه الكئيب .. وهو ينحني على ضوء النار المتراقص .. وسمعت صوته الأجش وهو يقول :

-        يجب أن نقاتل من اجل إيماننا وحريتنا .. حتى نبعد الغزاة عن بلادنا

أو نموت ليس لنا خيار آخر .

كانت مهمة غريبة تلك التي قمت بها إلى برقـة ، في أواخر يناير من عام : ' 1931 ' . وقد جاء إمام السنوسية إلى المدينة قبل ذاك بأشهر معدودة  – وبالتحديد في خريف عام  ' 1930 ' –  وهناك كنت ومحمد الزوي نجلس معه لساعات الطوال .. نناقش معا أحوال المجاهدين الصعبة ، الذين يواصلون جهادهم في برقة تحت قيادة عمر المختار .

 

الوضع في برقة

كان من الواضح أن المجاهدين لن يستمروا في جهادهم البطولي أكثر من ذلك .. إذا لم يتلقوا من الخارج ، مساعدة عاجلة و فعالة .. فقد كان الوضع آنذاك في برقة على هذه الصورة تقريبا :

بسط الإيطاليون سيطرتهم على كل المدن الساحلية ، وأحكموا قبضتهم على مواقع عدة في الجزء الشمالي من الجبل الأخضر .. وبين هذه النقاط المحصنة بشكل جيد .. كانوا  يسيرون وباستمرار دوريات عسكرية مزودة بسيارات مدرعة ، وعدد كبير من المشاة أغلبهم مـن العساكر الإريتريين .. تدعمهم جـوا أسراب من الطائرات الحربية ، التي تقوم بهجمات متكررة على مناطق الريف .. حيث يقطن البدو الذين يمثلون روح المقاومة الوطنية .. وكان من الصعب على البدو التحرك دون مراقبة جوية .. وكان الإيطاليون لا يترددون مطلقا في قصفهم من الجو حال اكتشافهم .

وكثيرا ما تكتشف إحدى طائرات الاستطلاع ، وجود مجموعة من خيام الشعر التي يقطنها البدو .. فتبرق من فورها - بواسطة جهاز اللاسلكي -  إلى أقرب معسكر للقوات الإيطالية .. وفي الوقت الذي توجه فيه الطائرة رشاشاتها ، لمنع الناس من الهرب أو الانتشار .. تتحرك باتجاههم على الفور السيارات المدرعة ، وتباشر هي الأخرى قصفها للخيام والناس دونما تفريق .. فتقتل كل من في طريقها من رجال ونساء وأطفال ودواب.. ومن يتبقى من الناس والحيوان على قيد الحياة ، يرغمونهم على الرحيل في اتجاه شمالا ، ليحشرونهم هناك في أحد معسكرات الاعتقال الكبيرة ، المحاطة بالأسلاك الشائكة والمحصنة بشكل جيد ، والتي أنشأتها الحكومة الإيطالية بالقرب من الساحل .

في ذلك الوقت ومع نهاية عام ' 1930 ' تقريبا ، كانت ايطاليا قد حشرت حوالي ' 80 ' ألف بدوي مع عدة آلاف من مواشيهم ، في مساحة ضيقة من أرض جرداء .. لا تنتج ربع ما تقتات به هذه الأعداد الكبيرة من البشر والدواب .. فكان أن ارتفع – نتيجة لذلك معدل الوفيات بين البدو وحيواناتهم إلى حد كبير يبعث على الخوف والفزع *

وبالإضافة إلى ذلك كله ، كان الإيطاليون قد باشروا في تنفيذ حاجز من الأسلاك الشائكة على طول الحدود المصرية .. من الساحل باتجاه الجنوب وحتى منطقة الجغبوب .. كي يقطعوا عن المجاهدين طريق المساعدات الوحيد .. ويصبح من المستحيل عليهم الحصول أي دعم أو مساعدة .

وكان المحاربون الأفذاذ من قبيلة ' المغاربة ' .. يقاومون ببسالة بالمنطقة الساحلية الغربية من برقة .. بقيادة زعيمهم الرافض للاستسلام صالح الأطيوش ، ساعد عمر المختار الأيمن .. ولكن جيوش وأسلحة ايطاليا الكثيرة كانت قد تغلبت في نهاية الأمر على شجاعة أفراد هذه القبيلة المجاهدة .

وفي أعماق الجنوب لا يزال رجال قبيلة ' ازوية ' بقيادة بوكريم.. الذي يبلغ التسعين  من عمره .. يقاومون رغم خسارتهم للمنطقة الوسطى ، المسماة بواحات جالـو .. وفي مناطق الدواخل كانت نسبة التعداد السكاني للبدو ، قد تأثرت كثيرا بفعل الجوع والمرض .

 

 

تعزيز قدرات المجاهدين

كل القوات المقاتلة التي يستطيع سيدي عمر نشرها في وقت واحد .. لا تتجاوز ألف مقاتل .. وليس مرد ذلك إلى نقص في الرجال الراغبين في القتال .. بل لأن طريقة القتال التي ينتهجها المجاهدون ، لا تشجع على تكوين مجموعات كبيرة .. مكتفين بتوجيه ضربات سريعة وقوية وموجعة .

وقد كان باستطاعة هذه المجموعات الصغيرة .. التحرك والتنقل السريع والظهور المفاجئ وفي أي مكان .. لمهاجمة التجمعات والنقاط الإيطالية وأخذ أسلحتهم .. والهروب إلى داخـل غابات الصنوبر وأوديـة وهضاب الجبل الأخضر .. ودون الإبقاء لهم على أثر .

ورغم شجاعة رجال عمر المختار .. وإيمانهم المطلق بالتضحية ، في سبيل الله والوطن.. لم يكن باستطاعتهم تحقيق نصر مؤزر ، على عدو يمتلك عددا لا يحصى من الرجال والسلاح .

لهذه الأسباب كلها كان من المنطقي ، التفكير في كيفية زيادة قوة وكفاءة المجاهدين  ، لا ليتمكنوا من إنزال خسائر متتابعة وفادحة بالعدو .. بل ليسيطروا وبشكل دائم على الأماكن التي يتمركزون فيها ، ويدافعون عنها في مواجهات لاحقة مع الإيطاليين .

وقد كان من الواضح أن تعزيز قوة المجاهدين .. يتوقف على عدة عوامل من أهمها :

        التدفق المستمر للإمدادات الغذائية الضرورية جدا من مصر .

        ضرورة مواجهة سلاح الطيران والدبابات المدرعة بأسلحة مضادة .. كالقذائف المضادة للدروع للدبابات والرشاشات الثقيلة .

        ضرورة وجود جنود مدربين على استعمال تلك الأسلحة .. لتدريب المجاهدين على استعمالها .

        تزويد المجاهدين بأجهزة اتصال لا سلكية ، لتسهيل الإتصال بين مجموعاتهم في برقة.

        إنشاء مخازن سرية لتخزين الأسلحة والذخائر داخل الأراضي المصرية .

استغرقت اجتماعاتنا – أنا ومحمد الزوي –  بالسيد أحمد ، أسبوعا كاملا .. حيث تدارسنا خلاله كل ما يتوجب علينا عمله تجاه الجهاد والمجاهدين في برقة .

 

تحصين الكفرة

وخلال ذاك الاجتماع قال سيدي محمد الزوي : إن التعزيز المؤقت لقوة المجاهدين في برقة لا يحل المشكلة .. واقترح بأن تكون واحة الكفرة التي تقع في أقصى جنوب الصحراء الليبية - المقر الرئيسي للحركة السنوسية التي يرأسها السيد أحمد - اقترح أن تكون نقطة الارتكاز في كل العمليات الحربية المستقبلية .

وبحكم موقعها الجغرافي فهي لا تزال بعيدة عن متناول الجيوش الإيطالية .. هذا بالإضافة إلى أنها تقع في طريق القوافل ( الطويلة والشاقة ) والمتجهة إلى الواحتين المصريتين ( بحرية )  و ( فرافرة ) ومن هنا فإنه بالإمكان تموينها وتزويدها بكل ما يحتاجه الجهاد ، بصورة أكثر فاعلية من أي مكان آخر في البلاد .

كذلك يكمن للكفرة ، أن تكون مركز ربط لآلاف اللاجئين البرقاويين ، الذين هاجروا إلى مصر .. وتصبح بالتالي تجمعا بشريا كبيرا يمد المجاهدين في الشمال بالرجال .

ولو تحولت الكفرة إلى قلعة محصنة ومجهزة بأسلحة عصرية كالرشاشات المضادة للطائرات .. لاستطاعت أن تصد الطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض .. أما تلك التي تلقي بقنابلها من ارتفاعات شاهقة .. فهي لا تشكل خطرا كبيرا على مجموعات السكان المنتشرين على رقعة كبيرة من الأرض .

وقـد أكـد السيد أحمـد ، أنه سيعود إلى البلاد ، ليقـود العمليات الحربية بنفسه مـن هنـاك.. إذا مـا أمكـن إعادة تنظيم قـوات المجاهدين ، على هذا النحو الذي أشار إليه محمد الزوي.

ومـن جهتي أكـدت للسيد أحمد أن نجاح تلك الخطة ، يتطلب ضرورة قيام علاقات ممتـازة مع البريطانيين ، الذين حاربهم بقسوة غير مبـررة ، وذلك بمهاجمتهم عام : 1915 م .

وقد كان من الممكن بدلا من ذلك تحسين العلاقات معهم .. لأن بريطانيا لم تكن راضية عن السياسة التوسعية الإيطالية .. خصوصا وأن موسوليني قد أعلن للعالم رغبته في إعادة  ' أمجاد الإمبراطورية الرومانية '  على جانبي البحر المتوسط .. إلى جانب  أطماعه الكبيرة تجاه مصر .

 

       لم يكن اهتمامي الكبير بمصير الحركة السنوسية .. مرده إلى إعجابي الشديد ببطولاتهم العالية دفاعا عن دينهم ووطنهم وحسب .. بل إن ما يسترعي إهتمامي أكثر من ذلك ، هو ما قد يحدثه انتصار الحركة السنوسية من تأثير على العالم العربي بأسره .

وكغيري من المسلمين ، كنت ولسنوات خلت ، قد عقدت الأمل على ' ابن سعود ' كقائد محتمل يعيد إحياء الإسلام .. أما الآن وقد أصبحت هذه الأمنية – دون شك – عديمة الجدوى .. فإنني لم أعد أرى في العالم الإسلامي كله .. إلا حركة واحدة تسعى صادقة ، لإعادة إحياء الإسلام ، من جديـد .. ألا وهي الحركة السنوسية التي تخوض الآن معركتها الأخيرة من أجل البقاء . **

 

 

القسم

عندما أدرك السيد أحمد صدق توجهاتي تجاه القضية السنوسية ، التفت إلي وصوب نظره إلى عيني مباشرة وهو يقول :

-        هل ترغب يا محمد في الذهاب إلى برقة نيابة عنا .. لتخبرنا عما يمكننا فعله ،

من أجل المجاهدين .. ربما يكون باستطاعتك رؤية الأمور

من زاوية أخرى تختلف عما يراه أهلنا هناك .

ودون أن أتكلم نظرت إليـه ، وأطرقت براسي .. كنت أعلم مقدار الثقة التي وضعها فـي.. ولم أكن مستغربا لاقتراحه ذاك .. غير أنه أدهشني جدا ، وملك علي أنفاسي.. ذلك أن مجرد التطلع إلى تلك المغامرة الكبيرة .. كان قد أمدني بالبهجة والنشاط الشئ الذي لم أستطيع التعبير عنه بالكلام .

لكن الشئ الذي شوقني أكثر من ذلك كله .. هو التفكير في أنه سيكون باستطاعتي مساعدة القضية التي قدم العديد من الناس أرواحهم من أجلها .

مد السيد أحمد يده إلى رف فوق رأسه ، وسحب مصحفا ملفوفا في قطعة من الحرير ووضعه على ركبتيه ، وأخذ يدي اليمنى بين يديه ووضعها على المصحف وقال :

-        أقسم  يا محمد بالله ، الذي يعلم ما في قلوب الرجال ، أنك سوف تكون أمينا للمجاهدين .

وأقسمت .. ولم أكن في حياتي كلها على يقين ببر قسمي ، مثلما كنت في قسمي هذا.

 

 

                                       

محمد أسد في الحج بعد عام ' تقريبا ' من لقائه بعمر المختار

                                                    

 

 

 

' 5 '

 ' كان الإسلام بالنسبة لي، الطريق الذي لا نهاية له.. وكان عمر المختار ووحداته  المستميتة ، على نفس الطريق  يضحون بدمائهم من أجل الحرية.. تماما كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ثلاثة عشر قرنا ومن هنا فإن تقديم العون والمساعدة لهم في صراعهم المرير - مهما تكن النتائج -  كان ضرورة  بالنسبة لي ، كالصلاة سواء بسواء ' .

 

بداية الطريق

كانت المهمة التي عهد بها إلي السيد أحمد تتطلب قدرا عظيما من الكتمان.. وكانت علاقتي به معروفة جدا.. إلى الحد الذي يتعذر معه إخفاؤها عن البعثات الأجنبية في جدة.. ولـذا فقد كان من الأفضل السفر سرا إلى مصر ، كي لا أتعرض للكثير من المخاطر والمتاعب هناك.

ويضاف إلى ذلك مقالاتي التي كتبتها مؤخرا.. وتحدثت من خلالها - بوضوح تام - عن تلك المؤامرات والدسائس التي أدت إلى تمرد فيصل الدويش.. تلك المقالات التي كانت سببا في عدم رضى الإنجليز عني.. ومن هنا فليس من المستبعد أنهم سوف يراقبونني عن كثب، بمجرد أن تطأ قدماي الأراضي المصرية.

لهذه الأسباب التي ذكرت.. قررت أن يكون سفري إلى هناك بسرية تامة.. وذلك بأن أعبر البحر الأحمر، بواسطة إحدى تلك السفن العربية الشراعية، وأنزل إلى اليابسة، في مكان منعزل من صعيد مصر، ودون أن أحمل معي جواز سفر أو تأشيرة دخول.. وهناك في مصر يمكنني أن التجول بحرية تامة، متنكرا في زي رجل من أهل الحجاز.. حيث كان ذهاب أهل مكة والمدينة إلى هناك للتجارة أو لتصريف أمور الحجاج، أمرا مألوفا في قرى ومدن مصر.. كما أن قدرتي على التحدث باللهجة الحجازية بطلاقة، ستمكنني من أن أدعي بأنني من مواطني هاتين المدينتين المقدستين.. دون أن يكون ذلك مدعاة للشك أو الريبة.

كان علينا أن نمضي عدة أسابيع ، لإنهاء الإجراءات اللازمة للرحلة.. وإجراء الترتيبات الضرورية، وتبادل المراسلات مع سيدي عمر في برقة، ومع بعض السنوسيين في مصر.. ولذا فلم يكن بمقدورنا - أنا وزيد - أن نغادر ميناء ينبع، إلى مكان منعزل من الشاطئ - يرتاده القليل من الناس- إلا في الأسبوع الأول من يناير لعام : 1931 م.

كان المشي بالنعال في ليلة ظلماء، عبر أراض وعرة ومزعجة .. أمر لا يحتمل .. وعندما تعثرت وسقط أرضا وارتطمت أضلاعي بقبضة المسدس الذي كنت قد خبأته تحت لباسي الحجازي.. أدركت مدى خطورة تلك المهمة التي كنت بصدد القيام بها.

لم أكن أحمل معي ما يثبت هويتي .. كنت أسعى إلى مقابلة ربان عربي غير معروف ، ليأخذني بحرا إلى  ' سنبوك ' وينزلني سرا، في مكان ما من الشاطئ المصري.. وهناك في مصر كان من الصعب التعرف على شخصيتي إذا ما قبض علي .. وحتى وإن حدث ذلك .. فلم يكن البقاء عدة أسابيع في سجن مصري .. بشيء يذكر إذا ما قورن بالمخاطر التي كانت تنتظرني هناك في برقة.

 

تساؤلات

وتساءلت.. لماذا أقدمت على عمل كهذا .. لمـاذا يتوجب علي أن أعبر الصحراء الغربيـة.. متنقلا من مكان إلى آخر، كي لا تكتشفني طائرات الاستطلاع الإيطالية، أو دوريات السيارات العسكرية المصفحة.. في بلد لا يعرف سوى لغة السلاح.

وعلى الرغم من معرفتي المسبقة بتلك الأخطار التي كانت في انتظاري.. إلا أنني لم أكن لأسعى إليها قصد المتعة والإثارة.. بل استجابة لدوافع شعورية أو لا شعورية.. لها علاقة بسلوك شخصي، وذات صلة وثيقة بحياتي الخاصة.. تماما كما كنت دائما حال قيامي بمثل هذا العمل.

لكن ماذا عن تعهدي هذا.. ؟ أيمكنني تحقيق ذلك.. هل حقا أن مهمتي هذه، يمكن لها أن تقلب الوضع لصالح المجاهدين..؟ لقد كنت بالفعل أطمح إلى تحقيق ذلك.. ولكنني وفي المقابل كنت أعتقد أيضا.. أنني بصدد القيام بمهمة خيالية وغير مجدية.

فلماذا- بحق الله - أجازف بحياتي أكثر من أي وقت مضى .. وبأقل فرصة ممكنة في النجاح ... ؟ وكانت الإجابة هناك.. قبل أن يتسنى لي لا شعوريا صياغة هذا السؤال.

نعم كانت هناك.. وذلك عندما قدر لي أن أتعرف على الإسلام، وأرتضيه مسلكا لي في الحيـاة.. عندها اعتقدت أنني قد وصلت بتساؤلاتي وبحثي في الحياة إلى الغاية المنشودة.. لكن وبصورة تدريجية.. تدريجية جدا أدركت أنها ليست الغاية المنشودة.

ذلك أن قبول المرء لمسلكه في الحياة كان بالنسبة لي على الأقل.. مرتبطا بالرغبة في سلوكها مع أناس يؤمنون بها أيضا.. ليس فقط في سلوكها بشكل شخصي.. ولكن أيضا في العمل من أجل إنجاحها، وقطف ثمارها داخل المجتمع الذي اخترته.

كان الإسلام بالنسبة لي، الطريق الذي لا نهاية له.. وكان عمر المختار ووحداته المستميتة، على نفس الطريق.. يضحون بدمائهم من أجل الحرية.. تماما كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منذ ثلاثة عشر قرنا.. ومن هنا فإن تقديم العون والمساعدة لهم في صراعهم المرير - مهما تكن النتائج -  كان ضرورة بالنسبة لي، كالصلاة سواء بسواء.

 

 

من ينبع إلى الصعيد

كان قارب التجديف الذي سينقلنا إلى السفينة الراسية هناك في الظلام، يتمايل على الشاطئ، بتأثير الأمواج المتكسرة على الصخور.. وحينما وقف المجدف الذي كان في انتظارنا التفت إلى زيد وقلت له:

 - ألا تعلم أخي زيد.. أننا بصدد القيام بمغامرة، ربما ستكون أخطر عليك وعلي، من جميع إخوان الدويش ..؟ ألا تحن إلى الدعة والسلام في المدينة مع أصدقائك هناك .. ؟

أجابني زيد:    طريقك هو طريقي يا عمي.. ألم تقل لي من قبل إن الماء إذا ركد فسد .. لنذهب إذن  كي يتحرك الماء ويصبح أكثر صفاءً ونقاءً.

كانت السفينة التي ركبناها، واحدة من تلك السفن العتيقة، التي تطوف سواحل الجزيرة العربية.. مصنوعة في مجملها من الخشب، وكانت رائحة السمك وحشائش البحر تنبعث منها.. وكانت مؤخرتها مرتفعة جدا، ولها ساريان بينهما غرفة كبيرة ذات سقف منخفض.

استقبلنا الربان وكان شيخا هرما من مسقط .. وفي الحال شرع يتفحصني بعينيه الصغيرتين السوداوين، اللتين تعكسان سنوات عمره الحافلة ، بأخطار ومغامرات محظورة .. كان يتفحصني من تحت عمامته الكبيرة ذات الألوان المتعددة .. ولم يكن خنجره المعقوف المزين بالفضة - الذي يضعه في زناره - قد وضعه للزينة وحدها.

وما إن صعدنا إلى السطح حتى ابتدرنا الربان بقوله:   مرحبا.. يا مرحبا بأصدقائي .. إنها لساعة مباركة هذه التي جاءت بكم إلى هنا.

وأطرقت مفكرا.. كم مرة استقبل هذا الربان بترحابه الحار، أولئك الحجاج الفقراء الذين ينقلهم سرا من مصر، ودون أن يكترث بعد ذلك لوجودهـم.. أو يقدم لهم أية عناية أو رعاية تذكر.

فقد كانوا ينزلون على شواطئ الحجاز سرا، تهربا من دفع رسوم الحج المرتفعة، التي تفرضها الحكومة السعودية على حجاج بيت الله الحرام.

وكم مرة استعمل نفس هذه الكلمات، مخاطبا بها تجار العبيد الذين يخالفون الشريعة الإسلامية، باستجلاب الأحباش البائسين لبيعهم في أسواق العبيد باليمن.

لكنني ورغم ذلك، طمأنت نفسي قائلا : مهما يكن سلوك هذا الربان فإن خبرته السابقة لا بد وأن تكون في صالحنا .. فهو دون شك من البحارة القلائل الذين يعرفون البحر الأحمر جيدا.. ومن هنا فقد كان بوسعنا أن نثق به، لينزلنا على شاطئ أكثر راحة وأمنا.

 

من الصعيد إلى أسيوط

رست سفينتنا بعد أربع ليال، بالقرب من شاطئ الصعيد.. ليقلنا زورق صغير إلى الشمال من ميناء ' القصير' وقد كانت دهشتنا كبيرة عندما رفض الربان أخذ ما عرضت عليه من مال قائلا بابتسامة عريضة : '  قبضت الأجر من أسيادي .. الله معكـم ' .

وكما توقعت تماما فلم يسترعي وجودنا أنظار أهل القصير، الذين اعتادوا رؤية الرجال بالثياب الحجازية.

في صباح اليوم التالي قطعت أنا وزيد تذكرتين، وركبنا حافلة قديمة متهالكة متجهين صوب أسيوط .. كنا خلالها محشورين بين امرأة بدينة جدا تضع في حجرها الواسع قفصا مليئا بالدجاج، وبين فلاح عجوز، لفت نظره زينا الحجازي.. فشرع يقص علينا ذكرياته عن الحج الذي شهده قبل ذلك بعشر سنوات .

ومن هنا فقد بدأت مع زيد .. المرحلة الأولى من رحلتنا الأفريقية.

 

 

هامش :ــــــــــــــــــــــــ

           أفاد أحد الناجين من معتقل العقيلة ، أن معدل الوفيات بذلك المعتقل .. وصل إلى سبعين حالة وفاة يوميا .. نتيجة التعذيب والمجاعة  .

 

 

طالع الأجزاء الأخرى من الكتاب

 

 

اقرأ أيضا للكاتب

 

حكاية الديك والثعلب المخادع

حكاية القطط التي أكلت الجو

أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )

رجل من القمة

الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '

مناظرة بين حمارين *

 

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

1
سعيد العر يبى
عزالدين اللواج
بنغازى
2007/7/11
2
تعليق على الهامش
عبدالرزاق سرقن
سويسرا
2007/7/13
3
تحية للأستاذ العريبي
سليم الرقعي
بريطانيا
2007/7/13
4
شكرا لكم
سعيد العريبي
بنغازي
2007/7/15
5
كتاب عبدالرازق مناع
الاطيوش
ليبيا
2009/7/1

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي