محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (6)
06:26:10 18/7/2007

المنارة – 19/7/2007
' 6 '
من قبو ببيته ، احضر لنا إسماعيل ، بندقيتين إيطاليتين ، من بنادق الفرسان ، وقدمهما لنا وهو يقول : هناك لدى المجاهدين .. لن يتعذر عليكما الحصول على ذخيرة ، لهذا النوع من البنادق .
في السابق – وقبل الشروع في مهمتي هذه - كنت أظن أن كل من يسعى متنكرا للقيام بمهمة سرية وخطرة .. لابد وأن يشعر أنه موضع شك ممن يلتقيهم .. وأن سره ذاك سيكتشف بسهولة تامة .
وإنني لأستغرب حقا .. أنني الآن لم أكن محل ذاك الشعور .. وقد تكون سنواتي الماضية ، التي قضيتها في جزيرة العرب سببا في ذلك .. فقد عشت مع أهلها ودخلت حياتهم .. إلى الحد الذي جعلني أشعر وكأنني واحدا منهم .
ورغم أنني لم أمارس ذات الأعمال التي يفضل أهل مكة والمدينة القيام بها .. إلا أنني - وبكل ثقة - شعرت وأنا أقوم بدور وكيل مطوف كأنني في وطني .. إلى الحد الذي جعلني أدخل في نقاش حاد عن الحج مع بعض المسافرين الآخرين .. وقد شاركنا زيد ذلك النقاش بحماس شديد .
هكذا وعلى هذا النحو ، أمضينا الساعات الأولى من رحلتنا في مناقشات حامية .. لكنها جادة ومحببة.
في ضيافة اسماعيل
فــي أسيوط أقلنا قطار آخــر ، إلى بلدة صغيرة تدعى ' بني سويف ' وهناك ذهبنا مباشرة إلى منزل ( إسماعيل الديبي ) السنوسي الذي كان يتوجب علينا الاتصال به.
كان إسماعيل رجلا شجاعا ، قصير القامة يتكلم لهجة أهل الصعيد ، تشير ملامح وجهه إلى ما يتصف به من روح مرحة وحبور دائم .. كان متوسط الحـال ولم يكن من وجهاء البلدة .. مجرد بائع صغير للأقمشة غير أن ولاءه للحركة السنوسية كان قد تأكد في مناسبات عدة .. كما أن حبه الشخصي للسيد أحمد الشريف .. جعله جديرا بالثقة الاحترام .
ورغم أن وصولنا كان في ساعة متأخرة من الليل .. إلا أن ذلك لم يمنع إسماعيل من أن يوقظ خادما ، ليعد لنا طعام العشاء .. وبينما كنا في انتظار الطعام .. شرع يقص علينا التدابير التي اتخذها بشأن رحلتنا .
كان أول عمل قام به - بعد استلامه لرسالة السيد أحمد مباشرة - هو اتصاله بأحد رجالات العائلة الملكية المصرية .. الذي كان ولسنوات عدة يتقد حماسا ونشاطا من أجل نصرة المجاهدين .. وشرح له الغرض من مهمتي .. فقبل في الحال توفير الأموال اللازمة ، وزودنا بأربع مطايا ، ودليلين ماهرين يعرفان جيدا الدروب التي سنسلكها في رحلتنا الصحراوية إلى حدود برقة .. وقد أخبرنا اسماعيل أنهما الآن ينتظراننا .. في إحدى مزارع النخيل خارج بني سويف .
خلعت أنا وزيد الزى الحجازي .. الذي يثير الفضول والاستغراب أثناء مسيرنا في دروب الصحراء الغربية .. وارتدينا بدلا من ذلك سروالين من القطن ، وسترتين من الزى الشمال أفريقي ، وفوقهما ( برنوسين ) صوفيين .. كتلك التي يرتديها الرجال في ليبيا وغرب مصر .
ومن قبو ببيته ، احضر لنا إسماعيل ، بندقيتين إيطاليتين من بنادق الفرسان .. وقدمهما لنا وهو يقول: هناك لدى المجاهدين .. لن يتعذر عليكما الحصول على ذخيرة لهذا النوع من البنادق .
في الليلة التالية غادرنا القرية بصحبة مضيفنا .. وقد عرفنا أن الدليلين ينتميان إلى قبيلة تسمى ( أولاد علي ) التي تقطن غرب مصر .. ويناصر أغلب رجالها المجاهدين في برقة .
كان أحدهما يسمى : ( عبد الله ) رجل في مقتبل العمر ذو روح مرحة ويتقد حيوية ونشاطا .. تطوع قبل سنة للجهاد في برقة .. وقد زودنا بمعلومات هامة عن المصاعب التي يمكن أن تواجهنا هناك .. أما الدليل الآخر فقد نسيت اسمه .. كان نحيلا كئيبا لا يتحدث إلا نادرا .. وقد أثبت أنه جدير بالثقة ولا يقل أمانة وغيرة عن عبد الله .
كانت المطايا الأربع التي زودنا بها .. تمتاز عن غيرها من الهجن ، بسرعتها وقوتهـا .. قد اختيرت لجودتها وطيب أصلها الـ : ( بيشاريني ).. وكانت تحمل شدودا لا تختلف كثيرا عن تلك التي تعودت عليها في الجزيرة العربية .
كان يتوجب علينا سرعة التحرك وعدم التوقف لفترات طويلة .. ومن هنا فقد كان زاد رحلتنا بسيطا .. كيسا كبيرا من التمر وكيسا آخر أصغر منه مليئا بالكعك المحلى الجاف ، المصنوع من طحين القمح الخشن والتمر .. ولم يؤخذ في الحسبان الطعام المطبوخ الذي يتطلب إعداده الكثير من الجهد والوقت .. بالإضافة إلى قرب الماء التي حملت على ثلاث مطايا وشدت على ظهورها بإحكام .
وداع اسماعيل
قبل منتصف الليل بقليل ، عانقنا إسماعيل وتضرع إلى الله كي يوفقنا في مهمتنا .. وقد لاحظت أنه كان بالغ التأثر وهو يودعنا .. وعلى ضوء القمر اللامع غادرنا بستان النخيل بقيادة عبد الله .
وفوق الصحراء المفروشة بالحصى .. أسرعنا الخطى باتجاه الشمال الغربي .. محاولين قدر الإمكان تجنب الالتقاء ، بممثلي إدارة الحدود المصرية ، الذين كانوا يجوبون ذلك الجزء من الصحراء بسياراتهم وعلى ظهور الجمال .
لكن الخطر لم يكن كبيرا .. فقد كنا نحاول الابتعاد - قدر المستطاع - عن طريق القوافل الرئيسي .. وكانت معظم حركة المواصلات ، تمر بعيـدا في الشمال عن طريق الفيـوم .
على مشارف ' بحرية '
سرنا في الليلة الأولى ، ما يقرب من ثلاثين ميلا .. توقفنا بعد ذلك لقضاء النهار في دغل من أشجار الطرفاء .. وفي الليلة الثانية والليالي التي تلتها كانت سرعتنا قد زادت أكثر من ذي قبل ، فوصلنا قبيل فجر اليوم الرابع ، إلى مشارف الجرف العميق الذي تقع فيه واحة بحرية .
وبينما كنا مختبئين ، تحت غطاء بعض الصخور الكبيرة ، خارج الواحة التي تتكون من عدة مزارع ومستوطنات متفرقة ، أهمها قرية ( باويني ) .. توجه عبد الله للقاء الرجل الذي كان مقررا الاتصال به .. حيث نزل ( راجلا ) الجرف الصخري الحاد .. مرورا بالمنخفض المغطى بأشجار النخيل .. حتى وصل إلى القرية .
كنا ندرك أنه لن يتمكن من العودة إلينا قبل حلول الظلام .. لذا فقد فضلنا أن نخلد إلى الراحة والنوم في ظل تلك الصخور .. لننعم بفترة راحة ممتعة ، بعد جهد وبرد شديدين وسير متواصل طوال ليال متتالية .. لكنني ورغم ذلك ، لم أنم إلا قليلا .. فقد كانت العديد من الأفكار تراودني وتحرمني من نعمة النوم .
وبمراجعة خطة سيرنا ، أدركت أنه ليس من الصعب الإبقاء ، على خط دائم للمواصلات بين بني سويف وبحرية .. وحتى القوافل الكبيرة بإمكانها أن تعبر من بين هاتين النقطتين .. دون أن تكتشف إذا ما أخذت تدابير العناية الكافية .
وذلك على الرغم من وجود مركز لإدارة الحدود في ' باويتي ' - الذي كان بإمكاننا رؤية مبانيه البيضاء من مكاننا الذي يشرف على الواحة - بالإضافة إلى احتمال وجود جهاز إرسال ( لا سلكي ) سري .. في إحدى القرى المعزولة جـدا إلى الجنوب من واحة ' بحرية ' .
وبعد ساعات من مجيء عبد الله رفقة عجوز بربري .. أدركت أن الحكومة كانت تشرف على الواحة إشرافا جزئيا .. والأهم من ذلك كله هو أن معظم سكانها كانوا من المتحمسين جدا لنصرة المجاهدين في برقة .
اقرأ أيضا للكاتب
أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )
الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
| 1 | 2007/7/20 |
| 2 | 2007/7/20 |
ما اعظم هذا الدين وما اعظم محمدا ورسالته وسيرفع الله من اقتدى اثره وحذا حذوه فى الدنيا والاخرة وبورك فيك على هذا الجهد









