محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (7)

محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (7)

04:25:18 27/7/2007

 

' 7 '

'  ولكن خليلا الذي تمرس على مثل ذلك ، لسنوات عديدة مع المجاهدين  .. لم يتظاهر بالموت  استلقى على ظهره وأسند رأسه إلى صخرة .. ثم رفع إحدى ركبتيه ووضع بندقيته فوقها .. وبتركيز تام بدأ بإطلاق النار باتجاه الطائرة المهاجمة .. مصوبا بندقيته تصويبا دقيقا قبل كل طلقة ، كأنه يتدرب على الرماية في الواقع كان عملا بطوليا وجريئا جدا ذلك الذي قام به  '

 

 

رغبة لم تتحقق

خمس ليال أخرى من السفر الشاق على ظهور الجمال .. فوق أراض وعرة  وعبر كثبان وتلال رملية منبسطة .. مرورا بواحة ' سترة ' الخالية من السكان وبحيرتها المالحة الزرقاء المظلمة .. التي يطوقها القصب وأدغال النخيل البري .. وعبر منخفض ( العرج ) ذي الصخور الكلسية غريبة الأشكال .. التي تتراءى لنا  - على ضوء القمر - كالأشباح .

ومع نهاية الليلة الخامسة .. شاهدنا ولأول مرة واحة  ' سيوه ' .. منذ سنوات وأنا أتوق شوقا ورغبة في أن أزور هذه الواحة البعيدة .. التي كانت في الماضي مقرا لمعبد ' آمون ' ومكانا مقدسا ذاع صيته في العالم القديم .. لكن رغبتي تلك لم تتحقق .. فها هي ' سيوه '  أراها الآن مع إشراقة الفجر .. تنتشر فوق تلة تحيط بها من كل جانب بساتين النخيل المترامية الأطراف .. وتنتصب بيوتها التي تشبه الكهوف فوق تلك التلة الوحيدة ، متدرجة باتجاه القمة المنبسطة ، التي تنتصب فوقها مئذنة عالية مخروطية الشكل .. مساكنها كتل غريبة من الطين كتلك التي نشاهدها في الأحلام .

كم كنت أرغب في أن أعبر حدودها الغامضة ، كي أتجول بطرقاتها وأطوف بشوارعها التي شهدت عصور الفراعنة .. وأشاهـد آثـار المعبد الـذي سمع فيه ' كروسوس ' ملـك  ' ليديا ' حديث العراف الذي تنبأ بموته .. ووعد فيه الإسكندر المقدوني بغزو العالم .

هكذا ولمرة أخرى لم يكتب لرغبتي تلك أن تتحقق .. فعلى الرغم من أنني كنت قريبا جدا من واحة  ' سيـوه '  لكن الظروف اقتضت أن تظل أبوابها مقفولـة في وجهـي .

' سيـوه ' واحة بعيدة جدا .. مكان معزول عن بقية العالم .. لم يتعود أهله على رؤية الغرباء .. إلى الحد الذي يجعلهم يكتشفون كل غريب بمجرد رؤيتهم له .. لذا فليس من الحكمة أن أزور مكانا كـهذا .. ذلك أن ' سيوه ' التي تقع تقريبا على الحدود الليبية .. لابـد وأن تكون تحت مراقبة مباشرة ومشددة من قبل إدارة الحدود المصرية .. كما أنها - وبلا شك – مليئـة بالمخبرين الذين يتلقون أجورهم من الإيطاليين .

لهذه الأسباب أقنعت نفسي بأسف شديد .. بأن زيارة ' سيـوه ' لم تكن من نصيبي في هذه الرحلة .. ولذا فقد طردت ' سيـوه ' من مخيلتي .

استدرنا حول الواحة متجهين صوب الجنوب .. وتوقفنا أخيرا للراحة بأحد بساتين النخيل البري .. لم نكن نرغب في التوقف على مقربة من الحدود إلا للضرورة .. لذا فلم ينعم عبد الله مثلنا بقسط من الراحة .. ركب في الحال واتجه إلى القرية المجاورة بحثا عن الرجل الذي ائتمنه سيدي أحمد ليسهل مرورنا عبر الحدود ..  وعاد بعد عدة ساعات برفقة دليلين آخرين .. وأربعة جمال قوية قادرة على اجتياز الصحراء ومسالكها الوعرة .

هـذان الدليلان من قبيلة ' البراعصـة ' التي تقطن الجبل الأخضر .. ومن رجال عمر المختـار .. وقـد بعثهما خصيصا ليعبرا بنا من خلال الثغرة الموجودة بين واحتي ' الجغبـوب ' و ' جالوا ' اللتين يسيطر عليهما الإيطاليون .. وصولا الى هضبة برقة حيث سأقابل عمر المختار .

 

المواجهة

غادرنا عبد الله ورفيقه عائدين إلى قريتهما في مصر .. وواصلنا المسير مجددا بقيادة المجاهدين ' خليل ' و ' عبد الرحمن ' .. لنبـدأ رحلـة أسبوع كامل من السفـر المضني .. عبر سهل صحراوي واسع خال من المياه تقريبا .. يتدرج صعودا باتجاه الجبل الأخضر .

كانت تلك الرحلة من أصعب الرحلات الصحراوية التي قمت بها في حياتي .. ورغم أنه لم يكن ثمة خطر علينا من جهة اكتشافنا من قبل الدوريات الإيطالية .. فيما لو التزمنا بالاختباء نهارا والسير ليلا .. إلا أن ضرورة تجنب آبار المياه التي تفصل بينها مسافات طويلة .. جعلت رحلتنا الشاقة أشبه بكابوس مزعج .. فلمرة واحدة فقـط ، تمكنا من سقى مطايانا وملئ قربنـا بالماء .. من بئر مهجورة بـوادي ' المـرا ' وبسبب ذلك تعرضنا لخطر محقق كاد أن يؤدي بحياتنا جميعا .. حيث وصلنا إلى ذلك البئر متأخرين كثيرا عن الوقت الذي توقعنا الوصول فيه .

وحينما بدأنا بسحب الماء لسقي مطايانا كان الفجر قد أشرق بضيائه .. وعندما انتهينا من ذلك تماما .. كانت الشمس قد باشرت صعودها فوق خط الأفق .

وقد أخبرني خليل بأنه يتوجب علينا ، أن نسير ساعتين كاملتين على الأقل .. قبل أن نتمكن من الوصول إلى منخفض صخري لنختبئ فيه أثناء النهار .

ومـا إن شرعنا بالمسير مجـددا .. حتـى بـدد هدير إحدى الطائرات سكون الصحـراء .. ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى شاهدنا طائرة صغيرة .. تحلق فوق رؤوسنا تماما .. ثم شرعت تطوف حولنا بثبات وتنخفض تدريجيا باتجاه الأرض .. ولما لم يكن ثمة ما يمكننا الاختباء فيه .. فقد قفزنا من على ظهور مطايانا إلى الأرض وتفرقنا .. ومـا إن فعلنـا ذلك حتى بدأ الطيار بإطلاق النار علينــا، من مدفعه الرشاش .. عندها صرخت بأعلى صوتي :

-  انبطحوا على الأرض .. لا تتحركوا ... تظاهروا بالموت .

 ولكن خليلا الذي تمرس على مثل ذلك ، لسنوات عديدة مع المجاهدين ، لم يتظاهر بالموت .. استلقى على ظهره وأسند رأسه إلى صخرة .. ثم رفع إحدى ركبتيه ووضع بندقيته فوقها .. وبتركيز تام بدأ بإطلاق النار باتجاه الطائرة المهاجمة .. مصوبا بندقيته تصويبا دقيقا .. قبل كل طلقة كأنه يتدرب على الرماية .. في الواقع كان عملا بطوليا وجريئا جدا ذلك الذي قام به .. فقد انخفضت الطائرة رأسا باتجاهه تماما ، ثم شرعت ترش الرمال بالرصاص بشكل كثيف .. لكن إحدى رصاصاته المصوبة بإتقان شديد أصابت الطائرة .. مما اضطرها إلى أن تنحرف على نحو مفاجئ .. وتصعد بأنفها إلى أعلى وتسرع بعد ذلك في الهرب .

ربما أدرك الطيار أنه من غير المجدي ، تعريض نفسه للخطر مقابل قتل أربعة من الرجال .. حلق بعد ذلك فوق رؤوسنا مرة أو مرتين .. ثم توجه شرقا نحو الجغبوب .. وما لبث أن اختفى عن أنظارنا .

وعندما اجتمعنا ثانية قال خليل بهدوء : -  هؤلاء الإيطاليون أولاد كلاب وجبناء ، يقتنصون الفرص لقتل الآخرين .. لكنهم لا يرغبون في تعريض جلودهم للخطر .

لم يصب أي منا في تلك المواجهة .. لكن مطية عبد الرحمن قتلت .. فنقلنا متاعه إلى مطية زيد .. وركب وراءه وواصلنا رحلتنا من جديد . 

 

 

 

 

 

طالع الأجزاء الأخرى من الكتاب

 

 

اقرأ أيضا للكاتب

 

حكاية الديك والثعلب المخادع

حكاية القطط التي أكلت الجو

أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )

رجل من القمة

الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '

مناظرة بين حمارين *

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي