محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار (9)
05:30:27 11/8/2007

ترجمة : سعيد العريبي
المنارة – 12/8/2007
' 9 '
' كان سيدي عمر يدرك أنه لم يعد أمامه سوى انتظار الموت .. الموت الذي لم يكن يخشاه ، أو يسعى إليه لكنه وفي الوقت ذاته لم يحاول أن يتجنبه أو يهرب منه .. وإنني لواثق جدا من أنه لو أدرك نوع الموت الذي كان في انتظاره .. لما حاول أن يتحاشاه أو يفر منه .. كان يؤمن في قرارة نفسه ، بأن كل مخلوق يحمل قدره معه ، لا يفارقه أبدا ولا يضره غيره شيئا .. أينما ذهب ومهما فعل ' .
مأساة الكفرة
جلس الرجل الكفراوي أمامي ، ولف ( برنوسه ) الرث حول جسمه الهزيل .. وتكلم بهدوء ودونما انفعال .. وكنت أطالع من خلال وجهه النحيل .. كل المصائب والأهوال التي شاهدها :
جاؤا إلينا بفرق ثلاث ومن جهات مختلفة .. مجهزين بسيارات عسكرية مصفحة ومدافع ثقيلة .. ومن الجو كانت طائراتهم تقصف البيوت والمساجد وبساتين النخيل وهي تحلق على ارتفاع منخفض .. كنا بضع مئات من الرجال القادرين على حمل السلاح ، أما البقية فشيوخ ونساء وأطفال .. دافعنا عن بيوتنا من بيت إلى بيت .. لكنهم كانوا أقوى منا عددا وعتادا .. وفي النهاية لم يبق تحت سيطرتنا سوى قرية الهواري .. لم تفلح بنادقنا البسيطة في التصدي لسياراتهم المصفحة .. فكان أن تغلبوا علينا ، ولم ينج منا هربا سوى القليل .
اختبأت في بساتين النخيل .. متحينا فرصة الهرب من خلال خطوط العدو.. وكنت طوال الليل اسمع صرخات النسوة اللاتي يغتصبهن ، جنود الاحتلال وعساكر إرتريا .
في اليوم التالي جاءت إلى مخبأي امرأة عجوز.. وأعطتني قليلا من الخبز والماء .. وأخبرتني أن الجنرال الإيطالي جمع الناجين من الناس أمام قبر السيد محمد المهدي .. ومزق نسخة من القرآن الكريم أمام أعينهم .. ثم رمى بها إلى الأرض وداسها بحذائه ، وهـو يقـول : ' ليأتي نبيكم البدوي لنجدتكم الآن .. إذا كان حقا يستطيع فعـل ذلـك ' .. ثـم أصدر أوامره بقطع نخيـل الواحة ، وردم آبارها ، وحرق مكتبة السيد أحمد بكاملها .
وفي اليوم الذي يليه أمر بوضع عدد من الشيوخ والعلماء في طائرة ، ورميهم من على علو شاهق ، كي يسحقوا حتى الموت .. ونفذت أوامره في الحال .
وفي الليلة الثانية - من مخبئ – تكرر سماعي لصرخات النسوة مصحوبة بضحكات الجنود وأصوات الرصاص .. وأخيرا وتحت جنح الظلام زحفت إلى الصحراء .. فوجدت جملا شاردا فركبته وأسرعت بالهرب .
عزيمة وإصرار
عندما أكمل الكفراوي سرد قصته المأساوية .. اقترب مني سيدي عمر وأعاد علي قوله السابق : ' لا شك أننا يا بني سنصل عن قريب إلى نهاية أجلنا المقدر لنا ' ثم مضى يقول وكأنه بذلك يجيب عن سؤال يقرأه في عيني :
- نحن نقاتل لأن القتال واجب علينا من أجل ديننا وحريتنا ... نقاتل حتى نطرد الغزاة أو نموت .. ليس لنا ثمة خيار آخر .. إن لله وإن إليه لراجعون .. بعثنا بنسائنا وأولادنا إلى مصر كي نطمئن على سلامتهم متى شاء الله لنا أن نموت .
في تلك الأثناء تناهى إلى أسماعنا .. صوت طائرة ينبعث من مكان ما من السماء المظلمة .. وبحركة سريعة عمد أحد رجال سيدي عمر إلى النار ، فأطفأها بحفنة من الرمل .. ووسط سماء ملبدة بغيوم مضاءة بنور القمر .. مرت الطائرة - على علو منخفض - متجهة نحو الشرق .. وبدأ صوت محركها في الاختفاء شيئا فشيئا .
قلـت لـه : - ولكن .. ألا ترون معي - سيدي عمر - أنه من الأفضل لك وللمجاهدين أن تنسحبوا إلى مصر .. طالما أن الطريق لا يزال مفتوحا .. وهناك في مصر ربما تستطيعون تجميع العديد من مهاجري برقة .. وتنظيم قوة جديدة ذات فاعلية وقدرات قتالية أفضل .. ألا ترى أنه يجب وقف القتال لبعض الوقت .. كي يسترد الناس بعضا من قوتهم .. أدرك أن الإنجليز في مصر ليسوا سعداء جدا ، للوجود الإيطالي القوي على حدودهم الغربية .. وقد يتغاضون – والله أعلم – عن استعداداتكم فيما لو أنكم أقنعتموهم بأنكم لا تعتبرونهم أعداء لكم .
فأجابنـي : - لا يا بني .. الوقت صار متأخرا جدا لفعل ذلك .. هذا الذي تقوله الآن كان ممكنا منذ خمس عشرة أو ست عشرة سنة .. قبل أن يهاجم السيد أحمد – أطال الله عمره – الإنجليز لمساعدة الأتراك الذين لم يساعدوننا .. الآن صار الوقت متأخرا جدا .. الإنجليز لن يحركوا سالكنا لجعل انسحابا سهلا .. أما الإيطاليون فإنهم قد عقدوا العزم على قتالنا حتى النهاية .. بل إنهم مصممون على تدمير كامل قدرات المقاومة في المستقبل أيضا .. وإذا ما ذهبت أنا ورفاقي إلى مصر.. فلن يكون بمقدورنا العودة لمواصلة القتال مجددا .. فهل يحق لنا أن نتخلى عن قومنا .. وهم يواجهون أعداء الله ولا زعيم لهم .
فقلت له : وماذا عن السيد إدريس .. ؟ هل يشاطرك نفس الرأى ، يا سيدي عمر .. ؟
فقال لي : السيد إدريس رجل طيب .. ابن صالح لوالد عظيم .. لكن الله لم يمنحه قلبا ، يحتمل مثل هذا الصراع المرير .
كانت نبرات صوته تدل على إصرار أكيد .. على مواصلة القتال دونما يأس أو قنوط ، مع اعترافه الصريح بتلك النهاية الأكيدة لصراعه من أجل الحرية .
كان سيدي عمر يدرك أنه لم يعد أمامه سوى انتظار الموت .. الموت الذي لم يكن يخشاه ، أو يسعى إليه .. لكنه وفي الوقت ذاته لم يحاول أن يتجنبه أو يهرب منه .. وإنني لواثق جدا من أنه لو أدرك نوع الموت الذي كان في انتظاره .. لما حاول أن يتحاشاه أو يفر منه .
كان يؤمن إيمانا مطلقا بأن كل مخلوق .. يحمل قدره معه لا يفارقه أبدا ولا يضره غيره شيئا .. أينما ذهب ومهما فعل .
من ثقافة عمر المختار
سمعنا من داخل الغابة اضطرابا خفيفا جدا .. ما كنا لنشعر به في الظروف العادية .. لكن وفي ظروفنا هذه التي أسخت فيها بسمعي .. متوقعا الخطر بجميع أنواعه ومن كل الجهات .. حتى أنني استطعت أن أميز أصواتا خافتة ما لبثت أن اختفت فجأة .
وبعد لحظات .. انفرجت الأشجار عن زيد وخليل ومعهما اثنان من الحرس .. وكانت الجياد التي يقودونها ، محملة بقرب مملوءة بالماء .
وما إن وقع بصر خليل على سيدي عمر ، حتى هجم عليه ليقبل يده قائده .. وبعد ذلك قدمت زيدا إلى سيدي عمر ، الذي ركز عينيه الحادتين عليه وتأمل وجهه الصارم وقامته الممشوقة .. ثم وضع يده على كتفه وقال له :
- مرحبا بك يا أخي من أرض آبائي .. من أي العرب أنت يا زيد .. ؟
وعندما أخبره زيد أنه من قبيلة شمر ، أشار برأسه وقال مبتسما:
- أنت إذن من قبيلة حاتم الطائي .. أكرم الناس .
وضع أحد رجال عمر المختار أمامنا ، قليلا من تمر ملفوف بقطعة من قماش ، ودعانا إلى تناول هذه الوجبة البسيطة .. وعندما أكلنا نهض المحارب الشيخ وهو يقول :
- حان الوقت - إخوتي – للانتقال إلى مكان آخر .. إذا لم نغادر قبل طلوع الفجر .. فأنهم سيكتشفوننا هنا .. إننا قريبون جدا من النقطة الإيطالية في ' بوصفية ' .
من داخل ' الدور '
أخذنا حاجيات مخيمنا المؤقـت .. وركبنا جيادنا وغادرنا مكاننا ، وسرنا وراء سيدي عمـر ، وتبعنا بقية رجاله سيرا على الأقدام .. وعندما خرجنا من الوادي أدركت أن رفاق سيدي عمر ، أكثر مما كنت أتصور .. فقد كانوا يخرجون الواحد بعد الآخر .. ظلال سوداء تخرج مسرعة من وراء الصخور والأشجار وتلتحق بطابورنا .. بينما شكل العديد من الرجال مجموعات حراسة متباعدة عن يمينه وعن شماله .
ولا يمكن لمراقب عادي ، أن يتصور أن هناك حوالي ثلاثين رجلا يحرسوننا .. ذلك أن كل واحد منهـم .. كان يتحرك بصمت كصمت كشافة الهنود الحمر .
وصلنا قبيل الفجر إلى معسكر عمر المختار الرئيسي .. أو ما يسمى بـ ' الدور' .. يقع في حماية مضيق عميق وضيق .. وكان يضم في ذلك الوقت ، أكثر قليلا من مئتي رجل .. كانت النيران تتقد في أماكن عدة من المعسكر ، تحت نتوء الأحجار الكبيرة .. وكان بعض الرجال ينامـون على الأرض .. والبعض الآخر منهم يقومون بآداء مختلف أعمال المعسكر .. كتنظيف الأسلحة وجلب الماء وإعداد الطعام .. أو العناية ببعض الخيول المربوطة بالأشجار هنا وهناك .
وكانوا جميعهم يرتدون أسمالا بالية .. ولم أر في ذلك الوقت أو فيما بعد من بين الرجال كلهم من يرتدي جردا أو برنوسا .. وقد لا حظت أن الكثير منهم ، يضع الضمادات التي تحكي معاركهم الأخيرة مع العدو .
وقد تعجبت كثيرا عندما رأيت امرأتين في المعسكر ، إحداهما عجوز كبيرة والأخرى شابة صغيرة .. تجلسان بجانب إحدى النيران ، كانتا على ما يبدو منشغلتين بخياطة سرج ممزق بإبرة كبيرة .
وقد لا حظ سيدي عمر تعجبي الصامت ذاك فبادرني قائلا : هاتان الأختان تذهبان معنا أينما ذهبنا .. رفضتا أن تذهبا مع نسائنا وعائلاتنا إلى مصر طلبا للأمان .. إنهما أم وإبنتها قتل الطليان جميع أفراد عائلتهما في الحرب .
وخلال يومين وليلتين من إقامتي هناك .. كان المعسكر قد انتقل إلى مكان آخر داخل الغابة .. في أحد وديان الجبل الأخضر.
اقرأ أيضا للكاتب
أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )
الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
| 1 | 2007/8/12 |









