محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار ( الأخيرة)

محمد أسد في :الطريق إلى عمر المختار ( الأخيرة)

07:05:14 19/8/2007

ترجمة : سعيد العريبي

 

المنارة – 20/8/2007

 

 

' 10 '

'  ها أنـذا أقف مرة أخرى أمام الإمام السنوسي  ( أحمد الشريف )  وأنظر إلى هذا المحارب القديم ووجهه المتعب وأقبل من جديد اليد التي حاربت بالسيف طويلا .. حتى إنها لم تستطع أن تحارب به مجددا ( ... )  ترجل هذا النسر العجوز ولم يعد يحلق في الفضاء .. كسر جناحه فهوى إلى الأرض مرغما .. وها هو الآن يجلس منكمشا على سجادة الصلاة ..  ينظر في الفراغ الكبير بصبر وسكون وقد لف جسده جيدا ( ببرنوسه ) الأبيض  طلبا للدفء  ' .

 

 

 

 

في انتظار المدد

تدارست أنا وسيدي عمر الإمكانات المتاحة .. لضمان وصول المؤن والذخائر إلى المجاهدين بكميات أكبر وبصورة مستمرة .. كان لا يزال ثمة  ما يصل إلى المجاهدين عن طريق مصر .. ولكن بكميات قليلة لا تفي بحاجتهم ولا بمتطلبات الجهاد .

وبالنظر إلى أن السيد إدريس ومنذ وصوله إلى مصر .. قد توصل إلى شيء من التفاهم مع الإنجليز .. أثناء فترة الهدنة التي عقدها مع الإيطاليين .. فإن السلطات الإنجليزية على ما يبدو راغبة في غض الطرف مرة أخرى والتساهل إلى حد ما .. تجاه نشاطات المجاهدين عبر الأراضي المصرية ..  طالما بقيت نشاطاتهم مقصورة على التحركات المحلية المحدودة .

وبالفعل لم يحاولوا اتخاذ الإجراءات الرسمية .. تجاه بعض المجموعات الصغيرة من المجاهدين .. الذين نجحوا في مرات قليلة في اختراق الخطوط الإيطالية ، ووصلوا إلى السلوم  ـــ  أقرب القرى المصرية على الشاطئ ـــ  بغية استبدال غنائمهم وأغلبها من البغال الإيطالية بما يحتاجونه من المؤن الغذائية التي كانوا في أمس الحاجة إليها .

لكن هذه المهمة ــ بطبيعة الحال ــ تعد نوعا من المجازفة والمخاطرة بحياة المجاهدين .. ولذا فلم يكن في الغالب بمقدورهم القيام بها .. هذا بالإضافة إلى  ما يحققه الإيطاليون من تقدم سريع .. في مد الأسلاك الشائكة على طول الحدود المصرية .

وافقني سيدي عمر على أن الخيار البديل المتبقي كطريق للإمداد .. هو الطريق الذي سلكته أنا في الوصول إليه .. مع ضرورة توفير مخازن سرية في الواحات المصرية     ( بحرية – فرافرا – سيوه ) لكنه وفي الوقت ذاته كان يشك في مقدرة السالكين لهذا الطريق .. على الإفلات من نقاط الحراسة الإيطالية المشددة على المدى البعيد.

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى ثبت صدق توقعاته .. فقد تمكن الإيطاليون من اكتشاف قافلة محملة بالمؤن والذخائر وهي تجتاز الفجوة بين الجغبوب وجالوا .. لكنها تمكنت من الوصول إلى المجاهدين بسلام .. وبعد هذه الحادثة مباشرة أنشأ الإيطاليون مركزا حصينا للمراقبة في ' بئر طرفاوي' في منتصف المسافة تقريبيا بين الواحتين .

هذا بالإضافة إلى المراقبة الجوية المستمرة .. التي تجعل القيام بمثل هذه المهمات مستقبلا مجازفة ومخاطرة بحياة المجاهدين .

 

 

 

 

نهاية المهمة

والآن أفكر في عودتي .. ولأنني لا أحبذ الرجوع من نفس الطريق الشاق الذي سلكته في رحلتي باتجاه الغرب .. فقد سألت سيدي عمر : عن طريق آخر أقصر للعودة من ذلك الذي سلكناه في المجئ إليه .. فأجابني بأن هناك طريق آخر أقصر ولكنه أخطر .. وذلك باجتياز الأسلاك الشائكة بالقرب من السلوم .

وقد توافق ذاك مع وجود جماعة من المجاهدين تنوي التوجه إلى مصر .. سالكة هذا الطريق الخطر لإحضار الدقيق من هناك .. وقد سألوني عن رغبتي في مرافقتهم ، فوافقت في الحال .

وهكذا ودعت أنا وزيد عمر المختار .. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي نراه فيها .. فبعد أقل من ثمانية أشهر .. قبض عليه الإيطاليون .. ونفذوا فيه حكم الإعدام شنقا .

 

وصف الأسلاك الشائكة

بعد حوالي أسبوع من المشي ليلا والاختباء نهارا .. عبر تضاريس صعبة وخلال غابات أشجار العرعر في شرق الجبل الأخضر .. وصلت فرقتنا المكونة من عشرين رجلا تقريبا إلى الحدود الليبيـة المصريـة .. بالقـرب من النقطة التي اختيرت  للتسلل من خلالهـا ... لم يكن اختيار لهذه النقطة بالذات عشوائيا .. فعلى الرغم من أن حواجز الأسلاك الشائكة ، كانت تمتد لتطوق أغلب الحدود .. إلا أنها لم تكن في تلك الأيام قد استكملت بصورتها النهائية لتشمل الحدود كلها .

ففي بعض الأماكن كهذه النقطة التي تم اختيارها .. يوجد حاجز واحد من الأسلاك الشائكة .. ارتفاعه ثمانية أقدام وعرضه أربعة أقدام .. بينما هناك في أماكن أخرى يتكون خط الأسلاك الشائكة من ثلاثة صفوف منفصلة .. قوية وكثيفة ومتعددة اللفات .. تحملها أعمدة قوية .. مثبتة بإحكام بواسطة دعائم من الإسمنت .

وعلى الرغم من أن النقطة التي وقع عليها اختيارنا لا تبعد سوى نصف ميل تقريبا عن مركز مراقبة محصن ومزود بسيارات مصفحة .. إلا أن ذلك لم يمنعنا من اختيارها باعتبارها الأفضل .. إذا ما قورنت مع غيرها الأقل تحصينا من الناحية العسكرية .. لكن خط الأسلاك بها ـــ  كما أشرت آنفا ـــ محصن بصفين أو ثلاثة من الأسلاك الشائكة القوية والكثيفة .

اتخذت الإجراءات اللازمة كي يكون في انتظارنا  ، على بعد أميال معدودة داخل الأراضي المصرية .. بعض أنصار السنوسية مع حيواناتهم ليتولوا مهمة نقلنا عبر الأراضي المصرية .. من هنا فقد فضلنا إعادة جيادنا مع بعض المجاهدين .. بدل تعريضها للخطر .

 

لحظات حاسمة

قبل منتصف الليل بقليل ، تقدم بقية المجاهدين ــ  ومن ضمنهم أنا وزيد  ــ  إلى الأسلاك الشائكة مشيا على الأقدام .. لم يكن سوى الظلام الذي يحجبنا عن مراقبة الإيطاليين ، بعدما تعمدوا إزالة جميع الأشجار والأجمات على امتداد الحدود .

وضعنا بعضا من رجالنا كجيوب حراسة واستطلاع  .. على بعد بضع مئات من الياردات إلى الشمال والجنوب من خط الأسلاك الشائكة .. في حين زحف ستة آخرون ، مجهزين بمقصات الأسلاك الشائكة وقفازات جلدية من النوع السميك .. كان المجاهدون قد غنموها في هجمات سابقة على مجموعات عمل إيطالية .. وزحف أربعة آخرون إلى الأمام  .. وكانت البقية يغطون تقدمهم ببنادقهم .

كانت تلك لحظة صعبة .. أسخت فيها بسمعي لأقل صوت يمكن سماعه .. كنت اسمع صوت الحصي المتدحرج تحت ثقل الأجسام الزاحفة إلى الأمام .. ونداء طير من طيور الليل .. سمعت بعدها الأصوات الأولى للمقصات وهي تقطع الأسلاك .. وقد كان وقع أصواتها على أذني كأنه صوت انفجار .

توالت بعدها أصوات المقصات هادئة ومتقطعة ( طق –  طق –  طق ) ولكنها كانت تتابع بإصرار وبلا توقف وهي تتقدم شيئا فشيئا خلال الأسلاك الشائكة .

وقطع صمت الليل صوت طائر آخر .. لكنه لم يكن صوت طائر هذه المرة .. بل كان إشارة من حراسنا في الشمال .. يعلنون من خلالها عن اقتراب الخطر .

وفي اللحظة ذاتها تقريبا سمعنا صوت محرك يتجه نحونا .. وما هي إلا لحظات حتى انبعث ضوء كشاف بدد ظلمة الليل من حولنا .. وكرجل واحد انبطحنا أرضا .. ما عدا الرجال المكلفين بقص الأسلاك الشائكة .. فقد واصلوا عملهم بسرعة وإصرار غير مبالين بالخطر المحدق بهم .. لا شيء يشغلهم عن مواصلة قطع الأسلاك وإزاحتها بأعقاب بنادقهم كالمجانين .

وبعد مضي ثوان معدودة  سمعنا إطلاق نار من حارسنا في الشمال .. الذي يبدو أنه قد اكتشف من قبل رجال السيارة المصفحة .

سلط ضوء الكشاف أرضا باتجاهنا .. تلاه صوت صليات متتالية من مدفع رشاش لم يصوب بإتقان .. كنت أسمع أزيز الرصاص وهو يمر من فوق رؤوسنا .. ونحن ممددين أرضا على بطوننا .. ورددنا على مصادر النيران بالمثل .

ــ   الكشاف .. الكشاف ..  صوبوا باتجاه الكشاف .                 ' صاح أحد المجاهدين '

    أصاب أحد رجالنا الكشاف بتسديدة موفقة .. وبشكل مفاجيء توقفت السيارة المصفحة .. ولكن مدفعها الرشاش .. لم يتوقف عن إطلاق الرصاص عشوائيا .. وفي تلك اللحظة أعلن أحد رجالنا  بصوت جهوري عن الانتهاء من قطع الأسلاك الشائكة .. ومن خلال فتحة ضيقة شرعنا في المرور الواحد تلو الآخر.. حاولنا جهدنا كي نضغط أجسادنا لتسهيل عملية المرور من خلالها .. لكن ذلك لم يحل دون تمزيق ملابسنا وأجسادنا .. ولم يستطع اثنان من رفاقنا  تخليص جرديهما من بين الأسلاك ففضلا التسلل بدونهما .

سمعنا بعد ذلك وقع أقدام مسرعة .. لقد فضل حراسنا ترك مواقعهم والانضمام إلينا .. ولم يجرؤ الإيطاليون على ترك سيارتهم المصفحة .. والاشتباك معنا في القتال وجها لوجه .. كان المتأخر منا يغطي انسحاب المتقدم بالتصدي لجنود الاحتلال وإشغالهم ..  ويتولى نفس المهمة مـن يتخطى منا حاجز الأسلاك ويجتاز الحـدود .. محتمين بالصخور وسواتر الرمال وبعض أجمات الأشجار المتفرقة .. وأخيرا اجتزنا حاجز الأسلاك الشائكة وتخطيا منطقة الخطر .. ورغم ذلك لم يتوقف الإيطاليون عن إمطارنا بوابل رصاصهم من خلف الأسلاك الشائكة .. وبحلول الفجر كنا داخل الأراضي المصرية .

فقدنا خلال هذه المواجهة خمسة من رجالنا العشرين وجرح أربعة آخرون .. قال أحد الجرحى معلقا على ذلك :

ـــ  لقد رحمنا اللـه .. إننا في بعض الأحيان نفقد نصف رجالنا .. ونحن نحاول اجتياز الأسلاك الشائكة .. ولكـن ليس ثمة أحد يمـوت إلا إذا كتب اللـه له الموت .. يقول اللـه تعالـى :  ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) .

 

العودة إلى المدينة المنورة

بعد أسبوعين عدت أنا وزيد عن طريق مرسى مطروح والإسكندرية فالصعيد .. ومن هناك وكما كان مخططا أقلتنا سفينة قديمة إلى ينبع .. وهكذا عدت أنا وزيد إلى المدينة المنورة .. وقد استغرقت تلك المغامرة بكامل أحداثها  شهرين كاملين .. ولم يلحظ الناس غيابنا عن الحجاز .

وعندما كنت أجتاز ـــ  برفقة سيدي محمد الزوي ــ عتبة الزاوية السنوسية المتواضعة في المدينة ... جالت بمخيلتي تلك الأصداء الخافتة .. لمشاهد الموت واليأس ورائحة أشجار العرعر .. والذعر الذي انتابني لسماع أزيز الرصاص فوق رأسي .. واستشراف ألم الجهد اليأس .. عند ذاك تلاشت ذكريات مغامرتي في برقة ولم يبق منها سوى الألم .

 

اللقاء الأخير

ها أنذا أقف مرة أخرى أمام الإمام السنوسي ( أحمد الشريف )  .. وأنظر إلى هذا المحارب القديم ووجهه المتعب .. وأقبل من جديد اليد التي حاربت بالسيف طويلا .. حتى إنها لم تستطع أن تحارب به مجددا .

-           بارك الله فيك يا بني .. وجعل طريقك آمنا .. مضى على لقائنا الأول أكثر من سنة .. وقد شهدت هذه السنة نهاية آمالنا .. ولكن الحمد لله على كل حال .. الحمد له على خيره وشره .. فإنه لا يحمد على مكروه سواه .

كانت بحق سنة حزينة مليئة بالمصائب والأكدار .. وكان أثرها على السيد أحمد كبيرا جـدا .. فقد صارت الأخاديـد حول فمه أكثر عمقا .. وصار صوته أكثر انخفاضا من ذي قبـل .. وتدهورت صحته بشكل ملفت للنظر .

ترجل هذا النسر العجوز .. ولم يعد يحلق في الفضاء .. كسر جناحه فهوى إلى الأرض مرغما .. وها هو الآن يجلس منكمشا على سجادة الصلاة .. ينظر في الفراغ الكبير بصبر وسكون .. وقد لف جسده جيدا ( ببرنوسه ) الأبيض طلبا للدفء .

همس في أذني قائلا : -  لو أننا فقط استطعنا أن ننقذ عمر المختار .. لو أننا استطعنا إقناعه كي بالانسحاب إلى مصر .. حينما كان الوقت يسمح بذلك .

فقلت له مطمئننا : - لم يكن ثمة من يستطيع إنقاذ سيدي عمر .. لأنه لم يكن يرغب في ذلك .. لقد كان يفضل أن يموت إذا لم يستطع أن ينتصر ... لقد عرفت ذلك – سيدي أحمد – عندما غادرته .

أومـأ السيد أحمد برأسه موافقا .. ثم قال : نعم  .. لقد عرفت ذلك أنا أيضا .. ولكنني عرفته متأخرا جدا .. تحدثني نفسي في بعض الأحيان .. بأنني قد أخطأت بتلبيتي نداء اسطنبول منذ سبعة عشر سنة .. ألم يكن ذلك هو بداية النهاية ليس لعمر المختار وحسب ولكن للسنوسيين جميعا ..؟

ولأنني لـم أجـد ما أرد به على سؤال إمام السنوسية ، الذي بدأ حربا غير ضرورية ضد الإنجليـز ـــ  لقد كان ذلك أكبر خطأ قام به في حياته ـــ  فقد سكت قليلا ثم أضاف قائلا

 :

-        هل كان  بإمكاني أن أفعل خلاف ذلك .. وقد طلب مني خليفة المسلمين المساعدة .. هل كنت محقا في ذلك ..؟ أم كنت مخطأ .. ؟ ولكن هل غير الله سبحانه وتعالى يمكن يحكم على الإنسان سواء أكان مصيبا أم مخطئا .. ؟ إذا كان قد تصرف بواعز من ضميره .. من حقا يستطيع أن يقول بذلك .

وتحت وطأة الألم والحسرة أخذ رأس إمام السنوسية يتمايل يمينا وشمالا .. وكانت عيناه غائرتان خلف جفون ذاوية .. في تلك اللحظة بالذات أدركت أنهما لن تتقدا بضياء الأمل مرة أخرى .. وبالفعل فقد توفي بالمدينة المنورة بعد هذا اللقاء بسنة واحدة * .

هامش

ــــــــــــــــــــــ

*  توفي السيد أحمد بالمدينة المنورة سنة : ' 1933  ' ( المؤلف).

 

طالع الأجزاء الأخرى من الكتاب

 

 

اقرأ أيضا للكاتب

 

حكاية الديك والثعلب المخادع

حكاية القطط التي أكلت الجو

أطباء بلا ضمائر (من بنغازي إلى الدار الآخرة )

رجل من القمة

الوهم * ' ملابس الإمبراطور الجديدة '

مناظرة بين حمارين *

 

 


إضافة رد       طباعة      مشاركة

التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.

 لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا للطباعة بالعربي اضغط هنا

تعليقات القراء

مقالات المنارة


تمظهرات الاندياح ببيت درنة الثقافي ( 1 )
متابعة : عبدالفتاح بورواق الشلوي

صور رمضانية ( 2 / 2 )
زياد العيساوي


حلم على سطح المستنقع
عبدالفتاح بورواق الشلوي


كفاكم استهزاء بنا!
د.إبراهيم قويدر

الجهاد في ظلال القرآن 2
إعداد : سعيد العريبي

المزيد من المقالات ...

قضايا وأراء

النكسة ..والكلمات
سالم الكبتـي


الكيل بمكيالين
فضيل الأمين


الحكمة في القرآن الكريم
فضيل عثمان الدرسي


أهلاً عائض القرني !
محمد خليل الزروق


المزيد من المقالات ...

استطلاع الرأي