عزيز المصري ( عين للعدو وأخرى على المجاهدين )
08:19:44 3/2/2008
|
|
|
بقلم :سعيد العريبي Saeed285@yahoo.com المنارة – 3/2/2008 |
أرسلـت الدولة العثمانية ، في بداية الغزو الإيطالي لليبيا .. عددا من الضباط لمساعدة المجاهديـن .. وكان من بينهم ' عزيز المصري ' الذي عين قائدا لدور بنينة .. وكان يتبع القائد العام أنور باشا .. الذي يتبع بدوره هيئة تنظيم الجهاد المؤلفة من مشائخ القبائل وأعيانها .
وقد كنت وإلى عهد قريب .. أعتبره من العرب القلائل الذين هبوا لنصرة إخوانهم في العروبة والإســــلام .. ولـم يترددوا في مد يد العون والمساعدة لهم في محنتهم .. إلى أن قرأت ما كتبه عنــه ' جـورج ريمـون ' الصحفــي الفرنسـي ، الـذي كان يعمـل مراسـلا حربيـا لصحيفـة : ' المصـور' الباريسية .. الذي التقى به أثناء فترة تواجده مع المجاهدين ببنغازي .. يقول 'جورج ريمون' :
' جلسنا ذات مرة في أحد بساتين النخيل في الكويفية حيث افترشنا السجاجيد والبسط على الأرض ... وأخذنا نأكل سفافيد لحم الخراف المشوية ونشرب مشروب ' اللاقبي ' المستخرج من أشجار النخيل .. وقد تمنيت لو تحول ذلك المشروب الحامض إلى نبيذ من عنب معتق .. وأسررت بأمنيتي إلى ' عزيزي المصري بك ' الجالس إلى جانبي .. فشاطرني أمنيتي قائـلا : لقد عثرنا بعد انتهاء معركة ' اللثامة ' في الأكياس التي تركها الجنود الإيطاليون بعد فرارهم .. على عدد من قنينات نبيذ ' الكيانتي ' .. وكان الجو شديد الحرارة فأغرانا بشربها .. غير أننا اضطررنا إلى تحطيمها بخبطها على الصخور مجاملة منا لهؤلاء البدو الذين يمقتون الخمرة وشاربها ' 1
وقد اكتشفت فيما بعد .. أنه لم تمض سوى أشهر معدودة على تلك المسامرة الودية وغير البريئة مع ( ريمون ) على حساب ثقة المجاهدين فيه .. حتى أفصح عزيز عن حقيقته .. وذلك عندما تقرر في نهاية عام ' 1912 ' أن يعود القائد التركي أنور باشا إلى استانبول .. فذهب إلى الجغبوب لمقابلة أحمد الشريف الذي كان يتولى قيادة الجهاد في ذلك الوقت .. واتفق الاثنان على أن يحل ( عزيز ) محل أنور باشا .. قائدا ميدانيا بمقر القيادة بدرنة .. ووجه أحمد الشريف نداءا بذلك إلى المجاهدين وطلب منهم التعاون مع القائد الجديد .
ومنذ البداية ارتاب المجاهدون بتصرفات وسلوكيات ( عزيز ) المشبوهة .. المتمثلة في اتصالاته السرية مع الإيطاليين .. إلى الحد الذي جعل أحدهم يهم بقتله .. لولا تدخل عمر المختار الذي أنقذ الموقف وحال دون ذلك .
وقد أدت اتصالاته السرية تلك إلى قبوله بتسليم معسكر ومقر قيادة المجاهدين الذي يقع بمنطقة الدرب الأحمر ، جنوب مدينة درنة .. وإنهاء الحرب مع الإيطاليين مقابل رشوة باهضة الثمن .
ولذا فقد أصدر أوامره بسحب جميع المدافع والأسلحة الثقيلة من الميدان .. في الوقت الذي كان العدو يحشد قواته تأهبا للانقضاض على المجاهدين .. وقد عارضة المجاهدون في ذلك لكنه أصر على موقفه ذاك .
غير أن وصول أحمد الشريف فجأة إلى مقر القيادة المشار إليه .. وتقاطر المجاهدين عليه للترحيب به .. وتزامن ذلك مع وصول القوات الإيطالية .. أحبط هذا المسعى الخبيث .. فاشتبك المجاهدون معها في قتال عنيف وتغلبوا عليها .. وقد اشترك أحمد الشريف معهم في القتال وردت الحملة على أعقابها خاسرة 2 .
وقد اعتبر هذا التصرف من قبل ( عزيز ) بادرة سيئة .. وخروجا على سلطة المجاهدين والتغرير بهم .. واستعمال النفوذ العسكري ، الممثل في شخصية القائد بمقابل عرض مادي زائــل .. وكان مجرد وصول أحمد الشريف إلى ميدان الجهاد .. كاف لإحباط المؤامرة .
ومن هنا فقد قرر ( عزيز ) أن ينسحب من القتال .. ويذهب إلى مصر ويترك المجاهدين وحدهم في ميدان الجهاد .. بل إنه حاول إقناع أحمد الشريف باستحالة مواصلة القتال .. والقبول بمبدأ مهادنة الطليان .. غير أن أحمد الشريف الذي كان لا يزال يظن به خيرا .. نصحه بالإقلاع عن هذا التشاؤم .. وبعدم التخلي عن المجاهدين في مثل هذه الظروف .
لكنه أصر على رأيه .. فأصدر أحمد الشريف أمره بفصله من القيادة .. فكان أن رتب انسحابه بالتنسيق مع القيادات الإيطالية - بواسطة الرسل والمراسلات المتبادلة - ومن ثم قرر التخلي عن المجاهدين والانسحاب من القتال .. وسحب الضباط والجنود الأتراك الذين كانوا تحت إمرته .
ولم يكتف بذلك فقط بل إنه .. قرر أيضا سحب ما يستطيع حمله من السلاح والذخيرة والأدوية المخصصة أصلا للجهاد .. وأما ما ثقل عليه حمله فقد أمر بإتلافه 3 .
وشق تصرفه هذا على المجاهدين .. الذين كانوا يأملون بأن تدفعه العاطفة الإسلامية أو الأخوة العربية .. فيترك لهم السلاح والأدوية .. التي وهبت في الأصل لنصرة الجهاد والمجاهدين .. ولكن ( عزيزا ) تمادى في عناده وإصراره فدمر واتلف ما لم يستطع حمله وتحول بما بقي معه إلى طبرق .
وبعد رحيل عزيز إلى طبرق .. أوفد أحمد الشريف عمر المختار برفقة بعض الأعيان لمقابلته هناك .. على أمل أن يتراجع عن سحب الضباط والجنود النظاميين الذين يتولون مساعدة المجاهدين وتدريب كتائب المتطوعين .. أو على أقل تقدير أن يبقي ما معهم من أسلحة وذخائر التي أتلف الكثير منها .
لكن ( عزيزا ) أصر على تعنته وعناده .. واظهر بذلك أن في نفسه غرضا ... وفي قلبه غيضا ومرضا .. فرفض جميع الرجاءات .. بل إنه جعل هذا الرفض مشفوعا بتصرف يخجل القلم العربي من أن يسطره منسوبا لرجل عربي .
وقد أشار محمد الطيب الأشهب في كتابه عمر المختار .. إلى أن شاهد العيان السيد أحمد جاويش ( المصري ) الذي كان حاضرا عندما وصل أحمد الشريف من الجغبوب .. ووقف شخصيا على موقف ( عزيز ) وتصرفاته تلك .. تحدث عن ذلك في كتاباته وفي مناسبات عدة .. ومنها ما نشره في مجلة الهداية 4
انسحب ( عزيز ) من ساحة الجهاد مبكرا .. وسحب عتاده وجنوده وضباطه .. لكن المجاهدين المخلصين استمروا في جهادهم – من بعدهم - لأكثر من عشرين عاما .
هامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . من داخل معسكرات الجهاد في ليبيا .. ترجمة د. محمد عبد الكريم الوافي .. ص : ( 298 ) .
2 . جذور النضال العربي في ليبيا / محمد عبد الرازق مناع .. ص : ( 30 ) .
3 . عمر المختار / محمد الطيب الشهب .. ص : ( 46 )
4 . عمر المختار / محمد الطيب الشهب .. ص : ( 47 )
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
| 1 | 2008/2/3 |
| 2 | 2008/2/4 |
ارجو منك ان تتعب شوية وتقرأ هذا الكتاب.
| 3 | 2008/2/4 |
| 4 | 2008/2/4 |
| 5 | 2008/2/7 |
| 6 | 2008/2/12 |
abdelnasser elbah elbah@maktoob.com :
استاذي/سعيد العريبي
لا شكر على واجب وطني كما اشكر لك وطنيتك و مقالتك التي شرفت بها في مدونتي ولنا لقاء على درب الكلمة , و الحقيقة
و آسف على نص الرسالة التي كنت قد بعث بها اليكم ولم تتمكنوا من قراءتها و ارجو ان تتمكنوا من الاطلاع على تعليقي هذا مع فائق احترامي
عبدالناصر الباح; ..مدونة الباح;elbah.maktoobblog.com










