هذا الكتاب :أبـطـال ومـلاحـم 2 *
03:38:24 23/5/2008

أبـطـال ومـلاحـم 2 *
' حوار مع الأستاذ الباحث فرج مصطفى لاغا '
سعيد العريبي
بداية المهمة :
بــدأت رحلة الأستاذ فرج لاغا مع التأريخ ، عندما كلفه مركز الجهاد الليبي للدراسات التاريخية في وقت مبكــر ، بمسح المنطقة الواقعة ما بين بنغــازي وســرت .
ورغم قلة الإمكانات التي سخرت لتحقيق هذا الهدف، ورغم تخلي مركز الجهاد – فيما بعد - عن دعمه ماديا ومعنويا ، إلا أنه استمر في مهمته تلك ، متنقلا من مكان إلى آخر ، يجرى المقابلات مع المجاهدين ويسجل قصصهم البطولية ، وأشعارهم الجهادية.
معتبرا ذلك واجبا وطنيا مقدسا ، تجاه أولئك الأبطال ( المنسيين ) الذين لم يترددوا في بذل أرواحهم وما يملكون فداء لدينهم ووطنهم .
قدم - وبطيب نفس - لمهمته التي انتدب لها ، كثيرا من جهده ووقته وماله ، معتبرا ما يجمعه في هذا المجال ، ثروة وطنية ومكسبا تاريخيا ، للأجيال الحاضرة والقادمة أيضا ، تستقي منه الدروس ، وتستخلص العبر ، وتستذكر به شهداءها الأبرار .. لكن جهوده تلك ، قوبلت - وللأسف الشديد -- بالجحود والتجاهل ، ولم تر مؤلفاته النور وهو على قيد الحياة .
سلاح الإعلام :
يشبه الأستاذ فرج لاغا الباحث في تاريخ الجهاد ، بالذي يتجول في حديقة غناء متنوعة الفاكهة ، كلما ذاق واحدة نسى ما قبلها من لذة طعمها وحلاوته .. وقد تجول - يرحمه الله - في حدائق الجهاد ، وتخصص في تاريخ وسير أبطاله .. فكان متنوع الثقافة غزير الإنتاج .. عمل بجد واجتهاد ، على كل الصعد الأدبية والفنيــة .. فكتب في السير والملاحم والدراسات التاريخية ، وحول بعض أعماله إلى سيناريو .. ومن ثم إلى أعمال فنية .. وكان يأمل أن تخرج كل إعماله التاريخية ذات يوم على شكل كتب أو أفلام .
ولأنه كان يدرك خطورة سلاح الإعلام المرئي بالذات ، وقوة تأثيره وسرعة انتشاره .. فقــد كان يركز على تحويل أغلب أعماله التاريخية ، إلى أعمال مرئيــة .. ومن هذا المنطلق نراه يقول في حواره مع الدكتور نجم :' نحن نعيش في عصر الشريط المرئي الذي هو أسرع انتشاراً من الكتاب .. وإذا أعطيت شخصاً ما شريطاً فقد يشاهده ومعه بعض الناس ، وربما في ظرف شهر ينتشر في كل البلد عبر شاشات التلفاز أو السينما ، بينما يقرأ المرء من الكتاب صفحات ، ثم يضعه جانباً ، ومن هنا فهو ليس في سرعة انتشار الشريط ، بالإضافة إلى أن تأثير الشريط أقوى بكثير من تأثير الكتاب ' .
شهداء بلا معارك :
حينما كان الأستاذ / فرج لاغا ، يزاول عمله كضابط بالعلاقات العامة بشرطة المرور، ومحرر بجريدة الميزان ، انتدب للعمل ضمن الحملة التي طالبت إيطاليا بالتعويضات عما اقترفته في ليبيا .. فكتب لهذا الغرض ، عملا أسماه : ( شهداء بلا معارك ) .. سرد من خلاله قصة الألغام ، وما يعانيه شعبنا من كوارث ومآس ، تتكرر مشاهدها كل يوم ، وذلك رغم توقف العدوان وانتهاء الحروب ببلادنا منذ مدة طويلة .
وثق الأستاذ / لاغا ، من خلال هذا العمل ، صور المتضررين من المدنيين ، ومن افراد الدفاع المدني ، وحدد وسجل أشهر أماكن حقول الألغام في بلادنا ، مثل بوقرين وبونجيم وبئر حكيم بمنطقة طبرق ، ومنطقة السدادة التي دفنت بها عام ( 1943 ) آلاف الألغام ، لوقف تقدم زحف جيوش الحلفاء ، حتى أطلق عليها ( رومل ) اسم : حدائق الجحيم .
وقد حضي هذا العمل باهتمام خاص ، وكلف مختصون بترجمته ، وقدم إلى الأمم المتحدة ضمن وثائق أخرى ، لدعم وجهة النظر الليبية ، وحقها في قضية التعويضات العادلة .
نافذة على الطريق :
كلف الأستاذ لاغا ، من قبل شرطة المرور ، بإعداد وتقديم برنامج مرئي ، يقدم للمواطنين المعلومة المرورية المبسطة ، وإرشادات السلامة العامة .. فأعد وقدم برنامجه المرئي : ( نافذة على الطريق ) فكان أول إنتاج مرئي ملموس للأستاذ فرج .. أختبر من خلاله قدراته اللغوية والإنشائية ، وتوسعت مداركه الإعلامية ، واكتسب خبرات ومهارات إعلامية ، مكنته - فيما بعد - من خوض غمار الإنتاج المرئي ، وكتابة السيناريو .
حديث الذكريات :
أعـد وقــدم الأستاذ / فرج لاغا – للإذاعة – برنامجــه الأسبوعي الأول : حديث الذكريات ، الذي استمر يذاع أسبوعيا ، ولمدة سنة كاملة .. وكانت فكرة هذا البرنامج ، وطريقة تسجيله في غاية الروعة ، حيث كان يحدد مكان المعركة مدار الحديث ، ويقيم بأرضها بيتا من بيوت البادية ، يستضيف فيه من شهد تلك المعركة ، من المجاهدين ممن لا يزالون على قيد الحياة .
كان - يرحمه الله - يقتفي أثـر المجاهدين ، ويحدد أماكن المعـارك ، متنقلا ببيته البدوي ذاك أسبوعيا ، مـن منطقة إلى أخـرى حسب أماكن المعارك التي يختارهــا ، ويخصص لها حلقة مـن برنامجه حديث الذكريات .
كان ذلك البرنامج – بحق - بادرة طيبة وجهدا مشكورا ، مكن أكبر عدد من المجاهدين ( كبار السن ) من القدوم إلى بيته ، ليسردوا ما لديهم من معلومات بسهولة ويسر، ودونما مشقة أو عناء .
من خلال برنامجه ذاك ، وفي بيته البدوي استطاع الأستاذ / فرج ، أن يستضيف عددا كبيرا من المجاهدين ، وأن يؤرخ لأشهر معارك جهادنا .. كمعركة ( السلاوي ) و ( هواء الزردة ) اللتين وقعتا شمال شرق بنغازي ، ومعركة ( الرمصة ) و ( بير ابلال ) اللتين وقعتا بالقرب من اجدابيا .
منارة الدم :
قدم الأستاذ لاغا ، عملا إذاعيا آخر ، بعنوان : ( منارة الدم ) وقد استلهم اسمه من مرثية شوقي لعمر المختار التي يقول فيها :
يا ويحهـم نصبوا منـارا مـن دم يوحي إلى جيل الغد البغضاء
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد بيــن الشـعوب مــودة وإخــاء
صور من خلال هذا العمل ، المشانق التي أقامها الايطاليون ، للأبرياء العزل من أبناء هذا الوطن ، واستخرج من سجلات البحث الجنائي ، خمسة وخمسين حكما بالإعدام ، مدعومة بصور المعدمين وبصماتهم ، واستخرج أيضا نسخة من برقية رئيس الأركان التركي ، التي أمر من خلالها ضباطه بالتخلي عن الليبيين ، وإيقاف جميع العمليات العسكرية ضد الإيطاليين .
كانت مدة هذا البرنامج ( 55 ) دقيقة .. وقد استمر لفترة من الوقت ، ثم توقف الأستاذ لاغا عن تقديمه ، ليتفرغ لأعمال أخرى ، فسجل ووثق بمكتبة الإذاعة تحت رقم : ( 6263 ) .
ماتوا وقوفاً :
كتب الأستاذ / لاغا ، ملحمته الجهادية ( ماتو وقوفا ) سنة : 1967 ، عــن قصة واقعية لنجــع مـن نجوع قبيلة الفواخــر تعرض لعدوان غاشم ، فوقف رجاله في وجه القــوة الإيطالية المعتدية .. لـم يفاوضوا ولم يستسلموا حتـى قتلـوا جميعــا .
وقصة ذلك النجع ، أن كتيبة إيطالية خرجت من سلوق إلى الدواخل بحثاً عن تجمعات المجاهدين ، ومرت بنجع لقبيلة الفواخر - كان رجاله قد فرغوا للتو من جز أغنامهم - فطلبوا تفتيش النجع ، ليتأكدوا من خلوه من المجاهدين ، فأجابهم شيخ النجع ( على الغريباوي ) بالرفض التام .. فأرادوا التفاوض معه في ذلك .. فقال لهم : إن حرمة نجعهم ونسائهم ليست محل تفاوض .. فأصر الإيطاليــون على تفتيش النجــع .. فقال لهم الشيخ : لن تفتشوا النجع ونحن أحياء .
فانصرف الإيطاليون ، وهم يبيتون نية العودة إلى النجع وتفتيشه ولو بالقوة .. وقد أدرك الشيخ ذلك ، فأستعد لهم .. وأخرج سبع بنادق هي كل ما يملك من سلاح ، ووزعها على بعض رجاله ، وكانت إحداها بندقية ألمانية ، سلمها لأخيه وكان قناصا ماهرا .
وعندما شاهد الشيخ طائرة تجسس تحلق فوق النجع ، أخبر رجاله بالاستعداد لملاقاة العدو .. وأن يتمترسوا بأكوام الصوف ، ويباشروا بقنص أفراده ، عندما يروا الإشارة منه التي اتفقوا عليها مسبقا .. وذلك إذا ما فشل في ثنيهم عن تفتيش النجع .. وكانت الإشارة التي اتفقوا عليها ، أن يسقط الشيخ على الصوف ، ويباشر بإطلاق الرصاص باتجاه جنود العدو .
لم يفلح الشيخ في ثنيهم ، عن تفتيش النجع ، فسقط على الصوف وشرع بإطلاق الرصاص وهو يقول مرتجلا : ( هلنا أو نهار ... غابن لعذار ) .. واحتدم القتال وحمى وطيس المعركة ، ولم تكن الكفة في صالح رجال النجع السبعة ، فقد كانوا يواجهون ببسالة كتيبة إيطالية مدججة بالسلاح .
حاولت إحدى المدرعات الإيطالية الالتفاف على النجع ، فطلب الشيخ علي من أخيه أن يتكفل بأمرها ، وبالفعل تمكن ذلك القناص الماهر من تفجيرها ، بواسطة بندقيته الألمانية المضادة للدروع .
قاتل أولئك الأبطال حتى استشهدوا جميعا وقوفا في ساحة القتال ، وتمكن الإيطاليون بعد استشهادهم من السيطرة على النجع ، الذي كان خاليا من الشيوخ والنساء والأطفال وبقية رجاله العزل ، الذين قام الشيخ بترحيلهم إلى مكان آمن ، قبيل المعركة بساعات .
قبيل المعركة بأيام :
وقبيل هذه المعركة بأيام .. وبينما كان الشاعر بودومه الفاخري ، مع إبله في وادي الباب بالقرب من سلوق ، استوقفته دورية إيطالية وطلبت منه الذهاب معهم ، إلى السرير وسط الصحراء ، ليرشدهم إلى موقع النجع .
فطلب من الإيطاليين إعطاءه مهلة يوم أو يومين ، حتى يتدبر أموره الخاصة ، ويطمئن على إبله .. ولكي يتخلص من هذا المأزق ، كحل عينيه بفلفل أحمر ، فاحمرتا وتورمتا .
وعندما جاءه الإيطاليون ووجدوه على تلك الحالـة ، أخبرهم بأنه قـد أصيب بالرمد ، وهـو لذلك لا يستطيع مساعدتهم .. فشكوا في أمره ، وأيقنوا أنها مجرد حيلة من جانبه ، كي لا يذهب معهم كمخبر ، يدلهم على أبناء عمومته .. فجلدوه مائة جلدة وحبسوه ، فنظم قصيدته التي يقول فيها :
طرفة جديدة يا حماة الجاره
كان جيتكم فاول جيوش نصارى
يا كـبـار الهمـــة
كان جيتكم فاول اجيوش اللمـة
لاني اللي خاين مع بن عمه
ولاني بنشــوم من الدنقـارة
ماتوا وقوفاً كعمل فني :
ويستذكر الأستاذ / فرج لاغـا ، في حواره مع د. فرج نجم ، قصة تحويل ملحمته الجهادية ( ماتو وقوفا ) إلى عمل فني ، ويتحدث بفخر واعتزاز ، عن ذلك فيقــول : تولت لجنة مشكلة من قبيلة الفواخر ، تحويل هذه الملحمة إلى عمل فني . وكان على رأس تلك اللجنة الشاعر عبد السلام بوجلاوي .. وقاموا بتأجير آلات التصوير من الإذاعة ، والملابس والأسلحة من الخيالة بطرابلس ، وتعاقــدوا مع طاقم التمثيل ، وتكفل أفراد تلك اللجنة بنصب البيوت والتموين والإعاشة على نفقتهم الخاصة لمدة أسبوع كامل .. ورغــم الإمكانات المتواضعة والمحدودة – يقول الأستاذ لاغا ــ استطعنا أن نخرج إلى حيز الوجود ، هذا العمل الذي بثته الإذاعة أكثر من ( 36 ) مرة .
هذا وقد اشرف على إخراج هذا العمل المخرج عياد ميكائيل ، الذي كان ملازما للأستاذ لاغا ، وكان يقوم بإخراج النصوص التي يكتبها الأستاذ لاغا للإذاعة .
مشاهد حية :
اقترح الأستاذ لاغا ، على المخرج تضمين بعض المشاهد الحية ، فكان أن أشرك في مشاهد التصوير ابنة الشيخ على الغريباوي ، التي كانت من ضمن أهالي النجع الذين رحلهم الشيخ إلى مكان آمن ، وكان عمرها آن ذاك ست سنوات .
وطلب منها أن تسير كما سارت وهي صغيرة .. وعندما سمعت صوت الرصاص ، أخبرها الأستاذ فرج بأن هذا الرصاص ، كان يدوي في أجساد أهلها آنذاك .. لم تتمالك نفسها ، فجلست وسحبت ردائها على وجهها كما تفعل جداتنا وأمهاتنا وشرعت تبكي .. وبكت معها بقية النسوة ، بصوت واحد ، حزنا على ما حل بقومهن في مشهد مؤثر .
وقد تم تصوير مشهد العزاء ، وأصر الأستاذ فرج على تضمنه للعمل ، وعدم استقطاعه أثناء المونتاج .. وبالفعل أذيع ذلك العزاء البدوي ، لأول مرة في التلفزيون الليبي ، وكان مشهدا حيا وحزنا .
كذلك من المشاهد الحية التي تضمنها ذلك العمل ، والتي أصر الأستاذ / فرج على إدراجها ، صور قبور الشهداء السبعة وموقد نارهــم .
هامش :
ــــــــــــــــــــــــ
* عرض مختصر لكتاب : أبطال وملاحم: من جهاد رجال عمر المختار : في حـوار مع الأستاذ الباحــث / فرج مصطفى لاغا ، إعـداد وتحريــر / د. فـرج عبد العزيز نجــــم .
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تتحمل المنارة أي مسؤولية ولا تتبناها بالضرورة.
لقراءة شروط نشر التعليق الرجاء الضغط هنا - للطباعة بالعربي اضغط هنا
تعليقات القراء
مقالات المنارة
بعد نجاح مزارعون محليون في زراعتها دعوة للحكومة الليبية لزراعة شجرة المانجا المثمرة بليبيا ناجي احمدة











