هذا الكتاب : أبـطـال ومـلاحـم 3 *
06:10:34 4/6/2008

' حوار مع الأستاذ الباحث فرج مصطفى لاغا '
سعيد العريبي
المنارة - 5-6-2008
حينما فرغت من مطالعة هذا الكتاب : ' أبطال وملاحم ' أدركت أن الحديث مع الأستاذ / فرج لاغا شائق وممتع ومفيد ، وجدير بأن يسجل ويوثق تما كما فعل الدكتور/ نجم مشكورا .. ذلك أنه يختزن في ذاكرته حصيلة وافرة من تاريخنا الجهادي .. هي بالطبع ثمرة عمره الحافل بالمطالعة والبحث والتنقيب ، منذ أن شعر بحبه الغامر لأولئك الأبطال ، وتولدت في نفسه رغبة جامحة ، لجمع سيرهم وحكاياتهم ومواقفهم البطولية التي يعز وجودها .
فكان أن خصص جل وقته لجمع تراثنا الجهادي من أفواه المجاهدين ومعاصريهم ، خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي .. ومن هنا كان سر حديثه الشائق الممتع ، والحافل بالقصص الجهادية والموافق البطولية التي تأسرك وتدهشك .. والتي سنطالعها من خلال هذا العرض المختصر لهذا الكتاب .
لكن وقبل ذاك ، دعونا نعرض وبإيجاز ، لأحد مخطوطات الأستاذ / لاغا التي تركها لنا ، وأشرنا إليها في الحلقة الأولى من هذا العرض ، وهو مخطوط فريد في مجاله ، أتمنى أن يجد من يهتم به ويخرجه إلى النور ذات يوم .
كلمات في سجل الخلود :
في بداية حواره مع الدكتور/ نجم .. أشار الأستاذ/ لاغا إلى مخطوط أثير على نفسه أسماه : ' كلمات في سجل الخلود : القذارات ' .. خصصه للأهازيج الشعبية الحماسية ، أو ما يطلق عليها اســم : ( القذارات ) .. ومفردها ( قذارة ) وهي مكونة من بيت واحد ، يقال ارتجالا في مواطن الشدة والبأس ، تلك المواطن التي يشعر خلالها المرء ، بحاجته الماسة إلى ما يرفع همته ، ويشد من عزيمته .
وعادة ما تكون ' الأهزوجة ' وليدة حالة نفسية حاسمة ، يشعر خلالها المرء أنه اقرب إلى الموت منه إلى الحياة .. ومن هنا فهي ليست للفرح والغناء ، بقدر ما هي دعوة صادقة ، لاستقبال الموت ونيل الشهادة في سبيل الله بلقب راض ، ونفس مطمئنة .
ولهذه الأهازيج جذورها التاريخية ، وقد استخدمها أجدادنا في جهادهم ، جريا على ما درج العرب على استخدامه منذ القدم . ولعنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر هذه الأهزوجة المباركة التي كان يرددها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنيــن ، حينما حمي وطيس المعركة : أنا النبي لا كذب .. انا ابن عبد المطلب .. أو تلك التي كان يرددها على كرم الله وجهه : أنا الذي سمتني أمي حيدرا .. أكيلكم بالسيف كيل السندرا .. وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره .
( القذّارات ) إذن إرث عربي خالد ، ضارب في أعماق نفوسنا ، يعزز انتماءنا ويؤكد عروبتنا وأصالتنا .. ولكم أن تقارنوا معي أهازيج العرب التي نقلنا بعضا منها ، وتلك الأهازيج التي انطلقت بها ألسن المجاهدين في مواطن الجهاد .
ففي معركة ( عقيرة أم الشفاتير ) التي استشهد فيها القائد المغوار حسين الجويفي ، كان أحد المجاهدين متمترسا بناقته المضروبة ، يجندل بالرصاص افراد العدو الواحد تلو الآخر ، وهو يقول : عايش بيها ... ما نعطيها .. وآخر بجانبه يتغنى بقولــه : امحن يا أيدي ... اذنوب علي .. آملا أن يغفر الله له ذنوبه ، مقابل هذا العمل البطولي .
وفي معركة القيقب ، وعندما اشتدت المعركة ، وعلا أزيز الرصاص وتراجعت خيول بعض الشباب المجاهدين .. امتطى شيخ مسن من المجاهدين جواده ، وشق به غبار المعركة وهو يقول مرتجلا : خشي يا ناب ... الحاشي هاب .
والناب كناية عن كبر السن ، حيث شبه الشباب بــ ' الحاشي ' وهي القعدان الصغيرة ، وشبه نفسه وبقية شيوخ المجاهدين بـ ' الناب ' وهي الجمال الكبيرة السن .. وذلك ليرفع من هممهم ويشد من عزائمهم ، وبالفعل تقدم الشباب واقتحموا الحصون الإيطالية .
وفي معركة ( الرمصة ) التي وقعت بالزويتينة ، سنة : 1913 ، كان المجاهدون يحصدون الجنود من الإيطاليين والأحباش ، الذين احتموا ببارجتهم الراسية على الشاطئ .. وهم يرددون هذه الأهزوجة ' الوطنية العاطفية ' : وطنك يا مردوع الهلة .... ما نعطوه إلبو برطلة.
وبفيض من هذه الأهزوجة الحماسية .. استمر المجاهدون في ملاحقة فلول العدو على شط الزويتينة ، حتى قيــل أن بعض الأحباش الذين كانوا ضمـن القوة الإيطاليــة ، قتلوا برصاص المجاهدين في مياه البحر ، وقد عجزت البارجة عن حمايتهم ، بعدما دخلوهم تحت مدى رمايتها .
وفي بادرة حماسية أيضــا ، ويعد مطالعتي لهذا الكتاب مباشرة ، وإعجابا بما ذكره الأستاذ / لاغا ، عن هذه الأهازيج الحماسية الوطنية الجميلة ، شرعت في كتابة مقالة عنها تحت عنوان : ' وبالأهزوجة أيضا يقاتلون ' . لكن مشاغل الحياة ، وقلة المصادر ، حالت دون استكمالها .. وعسى أن يكون ذلك قريبا .
نجيب الحوراني
هو أحد ضباط الجيش العثماني ، وهو عربي من مواليد عجلون بالأردن وكانت جزء من قضاء حوران - لذلك سمى بالحوراني - وكانت المنطقة كلها تعرف حينئذ ببلاد الشام .. وقد رفض كغيره معاهدة لوزان ، وأصر على أن يبقى مع إخوانه الليبييــن ، ويشاركهم جهادهم المقدس .
وكان معسكره - أو نقطة نجيب كما يطلق عليها إلى يومنا هذا - بالقرب من منطقة القوارشة ، بمكان يعرف بـ ( الفعاكات ) .. وكان من مهام تلك النقطة ، التصديً للزحف الإيطالي ، والدفاع عن سلوق وجردينة والمناطق المجاورة .
وتولى أيضا قيادة دور( مسوس ) .. وتعلق به المجاهدون وأثنوا عليه وأطاعوه .. وترك أثرا طيبا في نفوس الأهالي ، فأحبوه ومدحوه بشعرهم .. حتى أن كثيرا منهم سموا أولادهم عليه ، تيمنا باسمه الذي لم يكن معروفا لديهم من قبل .. وتغنوا في أشعارهم بشجاعته وبسالته .
استشهد في ( الحقيفات ) سنة : 1915م .. ولم يوافق المجاهدون على دفنه بأرض المعركة .. مفضلين دفنه بمنطقة ( مسوس ) التي أحبها وأحبته .. فحملوه على جمل وعادوا به إلى هناك .. وعندما وصل قائد الجمل صاح في الناس قائلا :
احتفلي بمــير الدور.. يا مسوس .. راه جاك الجمل .
فخرج الرجال تعظيما وتشريفا ، وزغردت النسوة فرحا بنيل ' أمير الدور' .. الشهادة في سبيل الله .
المجاهد / عبد السلام دجاجات :
من بين المجاهدين الذين إلتقاهم الأستاذ / لاغا ، ونقل عنهم وسجل لهم ، المجاهد عبد السلام دجاجات البرعصي ، الذي أشتهر بالشجاعة والجرأة والإقدام ، ودوخ العدو في كثير من المواقف التي لا يزال الناس يتناقلون أخبارها إلى اليوم .
في لقائه ذاك .. كشف للأستاذ فرج لاغا عن بطنه ، وإذا بها كرقعة الشطرنج من كثرة الإصابات التي منى بها .. ثم أطلعه على ( جرد ه ) الذي كان يقاتل به ، وكان مليئا بالثقوب ، من كثرة ما أصابه من رصاص .. ولازال هذا الجرد في عهدة أسرته ، التي تحافظ عليه كميراث مبارك من سنوات الجهاد .
وكان المجندون من الليبيين ، الذين يطلق عليهم العامة اسم :' الشناوير' يعرفونه جيداً ، ويخشونه ، حتى أنهم كانوا يدعون على بعضهم البعض بقولهم : ' اجعنك اصداف دجاجات ، وهن فا يجات ' .. لمعرفتهم بالمصير الذي يلاقيه من يعترض طريقه .
وكان شجاعا لدرجة الجنون ، ينزل عليهم كالصاعقة ، فيثير في قلوبهم الرعب .. فيهربون وهم يصيحون بعبارتهم التي نقلت عنهم : ' جاكن دجاجات يا مبليات ' .. وذلك استعدادا للهروب من الموت القادم إليهم مع ذلك الفارس المغوار .
من مواقفه :
ومن المواقف النادرة ، التي تجلت فيها شجاعة ( دجاجات ) وفطنته ، وذكائه وسرعة حركتــه .. أنــه كان ذات مــرة ، نائما تحت شجرة ، في مكــان يسمـى : الصليعاية ، بالقرب من ( قندولة ) .. وكان قد أوقف حصانه ، في منخفض بالقرب منــه ، وعليه بندقيتان واحدة ألمانية وأخرى إيطالية .
وبينما هو نائم ، إذا بثلاثة من عملاء إيطاليا ( الباندا ) .. يمرون بالقرب منه .. فالتف أحدهم متسائلاً : عما إذا كان ذلك الرجل النائم دجاجات .. أم لا ..؟
فأكدوا له بأنه دجاجات .. ففرحوا بذلك ، لما سينالهم من الترقية والأموال نظير قبضهم على دجاجات .. فتقدموا نحوه وأيديهم على الزناد .. وصرخوا بأعلى أصواتهم .. بأن يقف رافعا يديه مستسلما .
وعلى صوتهم قفز دجاجات ، ليجد نفسه محاصراً دونما سلاح .. لكنه بحنكته وسرعة بديهته .. رفع يديه وهو يصرخ ويناجي أمه قائلا :
' يا نا علي يا يام .. يا نا علي يا يام '
فنظر الخونة إلى بعضهم البعض ، في حيرة وذهول ، مستغربين أن يصدر هذا الفعل .. ممن يضرب به المثل في الشجاعة والإقدام .. وأرتبك الخونة من شدة المفاجأة ، وزال ما بهم من خوف وحذر .
في الوقت نفسه ، كان دجاجات يزحف ببطء شديد وهدوء تام ، باتجاه الجواد .. وفي لحظة معينة ، وبحركة بهلوانية خاطفة ، قفز على ظهر جواده ، واستل في الحال أحدى بندقيتيه ، وأطلق النار على أحد الخونة ، فأرداه قتيلا .. ثم طلب من الآخرين ، إلقاء السلاح أو مواجهة نفس المصير .. وعلى الفور استسلم العملاء .. وأكمل دجاجات الشطر الآخر من أهزوجته :
يا نــا علي يا يــام .. كان ها البانــدا روحــت .
أصالة ووفاء :
بعد إعدام شيخ الشهداء عمر المختار ، وتوقف الجهاد في برقة ، اخذ المجاهد دجاجات حصانه وهاجر إلى مصر ، ولم يشأ أن يترك حصانه ، الذي أكمل معه مشوار الجهاد ، وشق به غبار المعارك ، وصبر معه في مواطن الشدة والبأس .. هاجر فقيرا معدما ، ليس له قوت يومه ، وأكل في الطريق ما يأكله الحيوان من حشائش ونباتات ، وقطع طريق هجرته حافيا جائعا .
وهناك في مصر حل ضيفا ، على أحد نجوع ( أولاد علي ) .. فعرفوه ورحبوا به وأكرموه ، . وعرضوا عليه خدماتهم .. فقال لهم : لي مطلب واحد لا غير .. أن تدلوني على رجل يعرف قـدر الخيول الأصلية ، ويكرم وفادتهـا ، كي أبيعـه حصاني هــذا .. الذي رافقني في حلي وترحالي ، وخضت به المعارك ، وذاق معي حلو الحياة ومرها .. ولولا قلة ذات اليد ، وقسوة الحياة لما أقدمت على بيعه .
فبعثوا إلى رجل من وجهائهم ميسور الحال ، وعرضوا عليه الأمر ، فوافق الرجل على شرائه مقابل عشرين نعجة متوسطة العمر .. وكان ذلك عرضاً سخياً ، وصفقة مغرية لم يستطع ( دجاجات ) - الذي لم يجد ما يسد به رمقه - رفضها ، فوافق في الحال .
وعلى عادة العرب ، طلب الحاضرون من ( دجاجات ) ، أن يستعرض أمامهم حصانه .. فاعتذر عن ذلك وقال : لا أرغب في استعراض حصاني ، بعدما إعدام سيدي عمر المختار ، وانكسر المجاهدين في برقة .. ولكنني لا أمانع في أن تختاروا فارسا آخر ، يقوم بهذه المهمة نيابة عني .
فقدموا رجلا منهم خبير بالخيول وسباقاتها ، ويعرف أصولها وطباعها ، فأسرجوا له الحصان وزودوه ببندقية ، واصطف الرجال والنساء أشواطاً ، ليستمتعوا برؤية ذلك الحصان .
ركب الرجل حصان ( دجاجات ) .. وشرع الحصان ، يرقص أمامهم كالغزال في زهو وتبختر ، تماما كما كان يفعل في برقة .. ثم أطلق له العنان .. فانطلق كالسهم ، وانتصب شعره الغزير ( السبيب ) وتماوج مع الرياح ، ولم يتمالك ذلك الرجل نفسه ، من شدة إعجابه به .. فصوب بندقية إلى أعلى ، وأطلق أربع رصاصات في الهواء .. وهو يقول تعبيرا عن إعجابه ودهشته :
' باعــــك بوفــــم ... برقــــاق غلـــــم '
فتأثر المجاهد ( دجاجات ) من قوله ذاك ، ونزلت دموعه على خديه ، وأقسم بأغلظ الأيمان ، ألا يبيع لهم حصانه .. ثم أردف قائلا : لن أتركه أبدا نعيش معا ، ونموت معا .. ' واللي بيا بيه ' .. وغادر ذلك النجع ، واتجه بحصانه شرقا .. طالبا العيش في مكان آخر.
من الجهاد إلى العمل :
وفي مصر اشتغل ( دجاجات ) عامل بناء ، حتى تشققت يداه ، وتأثرت كتفاه .. وذات يوم .. وبينما هو كذلك يحمل على كتفيه الرمل والأسمنت .. مر به رجل من قبيلة القطعان ، وكان رفيقا له في الجهاد ويعرفه جيدا ، فاستغرب وسأل الناس غير مصدق : هل هذا هو المجاهد دجاجات .. ؟ فأكدوا له ذلك .. وقالوا : إذا كنت غير مصدق ، فتقدم منه وسلم عليه .
فتأثر الرجل لرؤية ، ذلك البطل المغوار ، وهو على تلك الحالة من العوز والفقر والحاجة .. وانصرف وهو يقول : ' سبحانـه اللي دجاجات .. تم خديم بحزامه .. يا طول ما فاجـن .. خيل العدو قدامـه ' .
وبعد هزيمة إيطاليا ، عاد المجاهد ( دجاجات ) إلى أرض الوطن .. ، وعمل حارساً للغابات بالجبل الأخضر .. واستقر بمنطقة قندولة ، حتى وفاته عام : 1974 .
الشهيد حسين الجويفي :
قاد الشهيد حسين الجويفي ( معركة عقيرة أم الشفاتير ) التي وقعت سنة : 1930م ، وأبلى فيها بلاء حسنا .. وفي طريق عودته منها ، كمن له اثنان من الأحباش وراء شجرة ، في مكان يعرف بـ ' الخبابيز' .
وذلك حينما رأوا سرج حصانه يلمح تحت ضوء الشمس ، وأدركوا أنه فارس غير عادي ، ولما اقترب من الشجرة ، أطلقا عليه النار غيلة ، فسقط شهيدا .
كان المجاهد عبد السلام دجاجات ، صديقا مقربا وملازما للشهيد حسين الجويفي ، وقد قال في لقائه مع الأستاذ / لاغا - الذي أشرنا إليه آنفا - : ' كان الشهيد حسين الجويفي ، بأخذ السلاح والذخيرة فقط ، ولا يأخذ الأسلاب ( الغنائم ) ' .
وعندما مر عمر المختار بقبر رفيقه في الجهاد ، الشهيد حسين الجويفي ( رما ( ( 80 كم شرق سلنطة ) ووجده وحيداً بلا جار أو مؤنس .. جلس عند قبره وقرأ على روحه الطاهرة الفاتحة ودعا له .. ثم انصرف وهو يردد ( غناوة علم ) اشتهرت عنه فيما بعــد : ' شهير لسم وافي الدين ... تما غفير في فاهق خلاء ' .
هامش :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عرض مختصر لكتاب : أبطال وملاحم: من جهاد رجال عمر المختار : في حـوار مع الأستاذ الباحــث / فرج مصطفى لاغا ، إعـداد وتحريــر / د. فـرج عبد العزيز نجــــم .
طالع الاجزاء الاخرى من السلسلة ومزيد من مقالات للكاتب









