عبدالرزاق العراديمقالات

عبدالرزاق العرادي* : لا يا قطر…لن ننسى صنيعك…لسنا بناكري جميل

كم يصعب علينا أن نتذكر حسنة واحدة لنظام الطاغية البائد، الذي جثم على صدر ليبيا وحكمها بالغباء والأهواء ومكن فيها السفهاء ليعملوا فيها كل أصناف التخريب والبلاء.

يصعب علينا جميعا أن نتذكر حسنة واحدة لتلك العقلية الشيطانية التي تربصت بالشر لأبناء ليبيا من بين أيديهم ومن خلفهم، وأطلقت سطوة رجال الأمن عن أيمانهم وعن شمائلهم، وقتلت وسجنت الآلاف ودفعت بآلاف أخرى عديدة إلى منافي الغربة والشتاتت، وحرمتهم من جنة الأوطان.

يصعب علينا أن نتذكر حسنة واحدة للمأثمة الممعنة في الرذائل والسيئات في بلد الشهداء والأولياء والحفاظ، والتي حولت الوطن إلى إقطاعية يعيث فيها ولدان الطاغية بالخطيئة، محملين أوزارهم لأبناء ليبيا من الأنقياء الأتقياء، المحبوسين في نار مؤصدة من البغي والفساد.

يصعب أن نتذكر أي حسنة لتلك المصيبة التي حلت بليبيا طوال السنين العجاف الإثنتين والأربعين، إلا حسنة واحدة يصفها الشاعربقوله:

جزا الله المصائب كل خير عرفت بها عدوي من صديقي


فذلك النظام جعلنا بالفعل نعرف من هو الصديق لأبناء ليبيا ومن هو العدو. بلغني إن الشعور السائد في قطر أننا ناكري للجميل، لا والله، لسنا كذلك فلقد عرفنا من هو الصديق الذي كان ينظر إلينا كأمة لها الحق في أن تعيش حرة في أرضها متطلعة للمستقبل واقفة تحت الشمس الساطعة بكرامة، ومن هو العدو الذي كان دائما يرانا شعبا ألقت به الصدفة في أرض باطنها ثراء وظاهرها مرابع خضراء، لا يحق له أن ينعم بخيرها ويأمن في أرجائها، فساعد جلادها كي ينهبنا وأمده بكل أسباب الأذى والبطش كي يحولها أرضا قاحلة جرداء.

هذا النظام جعلنا نعرف صديقا اسمه شعب قطر وحكومتها، الذين هبوا لنجدتنا وقت الضيق، وحشدوا لنا قنوات الإعلام ومحافل السياسة، وفتحوا لنا الأبواب، وأمنونا بالجوار، حين كان غيرهم يرقب ما نتعرض له من مذبحة، منشغلا بالتحقق من هوية المذبوح هل له قاعدة؟ أم هو من عناصر القاعدة؟ أم سيبني لهم قاعدة؟

لم تتأخر قطر في النفير لنصرتنا كما تأخر غيرها ممن كانو ينتظرون الكعكة الليبية حتى تستوي بهدوء على نار المحرقة الإجرامية التي أوقدها الطاغية من دمائنا، ولم تكدس بنوك قطر أموال الليبيين التي سرقها الطاغية، ولمّا تزل ضائعة حتى بعدما هلك في غياهب الحسابات السرية، والله وحده يعلم متى تعود وكم منها سيعود، وكأنها غنائم حرب مستحقة ليس لها من يستحقها.

صدّقتنا قطر حين نادينا أن الطاغية سيموت تحت أقدامنا، ولم يكن غيرها يصدقنا، وعرضت نفسها لخطر المواجهة مع نظام استعمل المرتزقة ليقتل أبناء شعبه، وهو على استعداد لتجنيد مرتزقته الذين يملؤون الأرض، لضرب أي جهة تدعم هذا الشعب وتحمي ثورته، وحاول هؤلاء المرتزقة المساس بأمن قطر ومواطنيها ومصالحها حول العالم، وقد حدث ذلك بالفعل عندما سالت الدماء القطرية واختلطت مع الدماء الليبية في ملحمة الثورة والتحرير.

يطول كلام الشاكر لقطر والعرفان بجميل وقفتها التاريخية مع ثورة السابع عشر من فبراير، وكان لقطر حكومة وشعبا دور أساس في أن يتحرر شعب ليبيا من طاغية أفنى عمره في إفناء أحلام جيل كامل من الليبيين، وكان يعد العدة ليورث طغيانه من بعده لولدانه حتى يواصلوا مصادرة الحلم الليبي جيلا بعد جيل.

**

غير أن الكلام ينفد واللسان ينعقد أمام موقف الخمسة الذين صنعتهم فطعنوها، قدمتهم فتّهموها، فئة جلهم كانوا مع الإنقلاب ورحمتهم الثورة لكنهم عضوا اليد البيضاء التي امتدت إليهم، وقابلوا الإحسان الذين أخذوه بالإساءة والتشكيك والطعن في حكومة قطر وشعبها، متهمينها بالسعي ومحاولة التمدد والبحث عن دور في ليبيا التي ساهمت في تحريرها، ولمّا تبرأ بعد جراح الليبيين التي لم تجد لها ضماداً في بداية الثورة إلا في مستشفيات قطر، وبأيدي الأطباء القطريين.

كم شعرنا جميعا بالخجل الشديد كليبيين حيال هذا الموقف، ونحن المعروفون بالكرم والوفاء والعرفان بالجميل، عندما سمعنا عبارات التهجم والإساءة لإخواننا في قطر، ويعلم الجميع كيف كان الطاغية على استعداد لأن يعطي النفوذ والدور لأي جهة تعينه في التغلب على الثورة والبقاء في السلطة ولو ليوم واحد، وقد استقطب بإغراءاته تلك دولاً مرتزقة من كل أنحاء العالم، لكن قطر آثرت الوقوف مع الضعيف، وأعانتنا على نائبة الدهر التي حلت بنا، وتحملت التكاليف المادية والسياسية، من أجل دعم ثورتنا ولتكون من أسباب النصر فيها.

إن النكران الذي أبداه القلة تجاه قطر، محاولة مكشوفة لاختلاق عدو وهمي والاختباء خلفه، ليمثل فزاعة للشعب الليبي تلهيهم عن العدو الحقيقي ومن وقف معه ضد أبنائه وثورته. إن الذين نالوا من شعب قطر وحكومتها ودورها الشهم الشجاع، سيخسروا احترام وتقدير الشعب الليبي قبل أن يخسروا دعم ومساندة أصدقاءه الذين وقفوا إلى جانبه في ساعة الشدة وحين يستريح الشعب ليعد فاتورة الحساب فمن المعلوم أين تقع قطر وأين يقع ناكروا الجميل.

ونقول لقطر حكومة وشعبا، ستبقون في الذاكرة المضيئة لأبناء شعبنا، ولكم في سجل التاريخ الليبي صفحات بيضاء ستحفظها الأجيال القادمة المتنعمة بالحرية والكرامة، والتي تقول لكم شكراً جزيلاً على الدوام، يا شعب قطر…شعبنا لا ينكر الجميل وستعلمون نبئه بعد حين.

——————————-

* عضو المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت

** تصميم خاص