الرئيسية » مقالات » عبدالجليل آدم المنصوري » أ.د.عبد الجليل آدم المنصوري : تكلّم ..كي أراك

أ.د.عبد الجليل آدم المنصوري : تكلّم ..كي أراك

تعدّدت تعار يف الشخصية  الإنسانية  ، بتعدد  الباحثين  والمختصين  و الأكاديميين في  العلوم الاجتماعية والنفسية والسلوكية . وعلى  الرغم  من  ذلك ، يمكننا  القول  أن الشخصية  الإنسانية  هي  عبارة  عن  مجموعة  من  الخصائص Set  of  ) Characteristics )  تشتمل على  مكونات بيولوجية Biological Beings )  )  وأخرى مكونات نفسية (Psychological Beings  ) تشكل في مجملها عوامل حاكمة في سلوكيات الشخص وتصرفاته  ، في صورة فعل أو انفعال أو ردّة  فعل .

ولقد حيّرت  الشخصية الإنسانية  الكثير من العلماء  والباحثين والمختصين في تفهم السلوكيات الناجمة عنها ،  لذا قيل  أنها تعكس – إلى حد كبير- ما يعرف بالصندوق الأسود ( Black Box ) . وربما من هنا  قيل : ”  تكلم حتى أراك  ” ،  وهى عبارة مشهورة  لها  معناها العميق ، إذ  لا يجب  أن تحكم على الإنسان من مجرد مظهره الخارجي أو ما يتقلده  من منصب أو ما لديه من أموال ، وإنما يتوجب التعرف عليه  من  خلال الإعلان عن  ذاته عندما يتكلم ،  والمنطق الذي  يستخدمه  والرأي  الذي يبديه والفكر الذي يحمله  والموهبة التي أنعمه الله  إيّاها ، ليصبح  كل من  لا يحسن الكلام  أو التعبير السّوي  ،  ومن في حديثه  إساءة  لنفسه  وللآخرين  ،  يُصبح  لا شيء يذكر !  ويصدق عليه  قول  زهير :

وكاءِ ترى من صامت لك معجب        زيادته  أو  نقصه  في  التكلم

لسان الفتى نصف  ونصف فؤاده        فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

ما  أروع عقول أهل الحكمة والحصافة  ، وما أحكم  سقراط  حين قال : أن الإنسان بفكره  وآرائه ، وليس  بشكله أو هيئته . الأمر الذي يعنى  أن الإنسان  مخبوء تحت لسانه -  كما  قال  سيدنا  على ابن  أبى طالب -  فإذا  تحدث  برزت ذاته  وظهرت  صفاته  ،  حتى  وإن  كان  المستمع  أعمى  فسيرى  المتحدث  ببصيرته  ( عقله )  ويتعرف على شخصيته ، ليكون اللسان خير خبير عن الشخص وصفاته .

إن  الذي  جعلنا  نُسطّر هذه  الكلمات  ، هو حضورنا  في 2013.12.8  م  مناقشة  دراسة أعدها مركز البحوث والاستشارات التابع لجامعة  بنغازي  .  فبُعيد العرض الموجز للدراسة ، شرع بعض الحاضرين  في إبداء  تعليقاتهم  ، وطرح  تساؤلاتهم ومقترحاتهم حيال هذه الدراسة من حيث ؛ المنهجية المتبعة  والنتائج  التي  توصلت إليها .  واندهش  بعض الحاضرين  من ردود  أفعال  رئيس  فريق  الدراسة  حيال  تعليقات  وردت  من أحد الأساتذة بخصوص المنهجية التي اتبعت  في هذه  الدراسة التي رأى أنها مثيرة للجدل من حيث ؛ صياغة  بعض الأسئلة  وأسلوب  تحديد حجم العينة  وكيفية  اختيارها  ،  الأمر الذي  ينعكس على مدى  مصداقية  النتائج   التي توصلت إليها هذه الدراسة ، ومن حيث إن الدراسة معنونة على أنها مسحا شاملا  - وهى  ليست  كذلك –  ناهيك عن كونها  اهتمت  بموضوع  الدستور المرتقب  الذي  يخص  جميع  الليبيين  وأجيالهم   القادمة .  كل  هذه  التساؤلات  العلمية  لم  تشفع للأستاذ السائل  في  أن يحصل على ردود علمية  هادئة  ،  بل انفعل  رئيس  فريق الدراسة وبشكل ملحوظ  لكل ذي بصر وبصيرة ، واشتط في الحديث مع ارتفاع في الصوت –  وفاته أن من ارتفع صوته لا حُجّة  له –  وجزم  بالمطلق  أن  الدراسة  لا  يعاب عليها  لا من  قريب  ولا من  بعيد  ،  وأن العينة ممثلة  لمجتمع  الدراسة حتى  وإن  كان المجتمع  مليارا  أو ستة مليار ! ( في حين أن عنوان الدراسة هو : نتائج  المسح  الوطني الشامل  حول الدستور ). لا بل  استشهد  برأي  أحد أعضاء فريق الدراسة ، الذي أفاده  أن العينة ممثلة لمجتمع الدراسة  كما  أعضاء  المؤتمر ممثلين للمجتمع الليبي ! واستطرد هائجا  قائلا :  أنه يأسف أن  تَرِد هكذا  تساؤلات  من أناس  في  كلية  تضم  قسما  للإحصاء  ،  ( مع  العلم أن قسم  الإحصاء  أُلغى  من  كلية الاقتصاد  منذ سنوات عديدة ! )  كما نسى  رئيس  فريق الدراسة هذا – أو تناسى  -  أن  الأستاذ  الذي  يجادله  بجفوة  وغلظة  ،  ويرد عليه  بصوت عال ،  ويرفع  يديه  في  وجهه  ووجوه الحاضرين ، هو بدرجة  أستاذ –  ولا  فخر– منذ عشرين  سنة .  و ربما هنا  يترك  الأمر لرئيس  فريق  الدراسة   أن  يحدد –  بينه  وبين نفسه – موضعه  الدراسي  منذ عشرين سنة  خلت ! إنها  الذات  البشرية  التي  فعلت  فعلتها  مع  رئيس  فريق  الدراسة   هذا  ، الذي  يتقلد حاليا منصبا رفيعا في  وزارة التعليم العالي  !

لقد  صدق من قال : أن الكلام  ترجمان  سريرة  الإنسان  ،  ويُظهر ما بداخل  ذاته وضميره  ،  لتصبح  بذلك  الكلمة  مكتسبة  معناها  مِن  قائلها  لا من ذاتها  ، ولها  أهميتها في حياة  الإنسان وسلوكه  وتصرفاته . وعليه  ، حدّد  أهل  الحكمة عوامل هامة  للكلام  المُحكم  منها ؛  تحرّى أن يكون الكلم  في مواضعه ،  و تخيّر الألفاظ  والعبارات  الملائمة  لمقام  المستمع . ذلك أن الكلمة تشهد للإنسان أوعليه ؛ فالكلمة الهوجاء الطائشة  إذا خرجت  باندفاع  وتهوّر لا يُفكّر الإنسان  في عواقبها  ، لا بل  يغيب عنه أن  جمال  الإنسان في لسانه ! إن ما جرى في تلك المناقشة ، غابت عنه  النصيحة التي طالما قدمتها  للطلبة عند مناقشتهم  أبحاثهم  العلمية ، وهى أن  تكون  ردودهم عن أية تساؤلات تطرح من قبل اللجنة  الممتحنة متسمة  ؛ بجرأة الباحث ، وتواضع العلماء  ، وحياء  العذراء .  وأخيرا ، علينا أن نُذكّر أنفسنا –  والآخرين – بقول الشاعر :

لا تحسبن العلم ينفع وحده      ما  لم  يُتوّج   ربّه  بخلاق

فإذا رُزقت خليقة محمودة      فقد اصطفاك مُقسّم الأرزاق